رواية: العمى – جوزيه ساراماغو

تنبيه: هذه المراجعة كتبت لمن قرأ الرواية ولمن لم يقرأها, المراجعة تستعرض بعض أفكار وأساليب الرواية ولكن كطريقة تقديم لها, في مراجعة الرواية هذه لا يوجد أي حرق للرواية, أو كشف لأي جزء من حبكتها, أو أحداثها.

***

بطاقة الرواية:

اسم الرواية: العمى

اسم الروائي: جوزيه ساراماغو

دار الترجمة: المدى

اسم المترجم: محمد حبيب

عدد الصفحات: 379

السعر: 34 ريال سعودي

المكتبة التي اشتريته منها: مكتبة الكتاب

***

الغلاف:

***

عن الرواية:

في صباح أحد الأيام, وبدون أي مقدمات, وعند إحدى الإشارات المرورية, يستشري العمى مثل طاعون مجنون في أحد المدن ..

 ومن ثم تنطلق الرواية.

في أول صفحة, وعلى أول سطر, ومن أول كلمة, تنفجر الأحداث في وجه القارئ؛ لأن في مثل هذه الأعمال العظيمة لا يوجد أي متسع للثرثرة.

في رواية العمى استخدم ساراماغو كل الوسائل الأدبية الممكنة ليجعلك تعيش تجربة العمى المفاجئ, وأنا هنا لا أقصد فقط تقمصك لشخوص القصة, بل أعني أن رواية العمى تنقلك تماما لعالم الرواية الخاص, لكنها تنقلك إلى هناك أعمى؛ الرواية توجد عالمها الخاص وتمنعك من رؤيته, وهنا فقط يداهمك شعور العمى, وهنا – وفقط هنا – تعرف لماذا حازت هذه الرواية جائزة نوبل عام 1998.

ما يستحق التنبيه هو أن بعض الأساليب المستخدمة لتحقيق غاية الرواية ( نقلك أعمى لعالم الرواية ) قد تبدو مربكة في البداية, لكن هي كأي شيء أخر, تحتاج بعض الوقت والممارسة لتصبح مألوفة ومستطعمه, سوف استعرض في السطور القادمة بعض هذه الأساليب, وقد بدا لي أنها سوف تجعلك مستعد أكثر للرواية, وتجعل قراءتك لها أسهل, ولن تحرق عليك شيء.

في البداية هذه الرواية تجمع بين متناقضين: العقدة الاستثنائية العجيبة الشبه فنتازيه للرواية والأسلوب الواقعي الكلاسيكي في سردها؛ عقدة الرواية خيالية لكنها تٌحشر في عالم مطابق للعالم الحقيقي وتحكى بطريقة واقعية, وهذا بالضبط ما جعل هذه الرواية مقنعة, وتناقض السرد والعقدة هو مكمن الإثارة.

أسلوب ساراماغو في هذه الرواية, يعتمد على الجمل والفقرات الطويلة, بعض الفقرات وصل طولها لصفحتين, لذا يكون المشهد الواحد طويلاً وفي نفس الوقت ذو إيقاع سريع, وهذا هو ما سوف يحبس أنفاسك.

يستخدم ساراماغو في هذه الرواية أسلوب في الحوار اسمه (back-and-forth dialogue) أو ( الحوار ذهاباً وإياباً ) وهذا الأسلوب يعتمد على كتابة الحوار دون علامات اقتباس, ومن دون ذكر قائل الجملة, أو كيف قالها. هذا الأسلوب عادة يرافقه استخدام فواصل ونقط فقط, بمعنى أنك لن تجد في الرواية كلها علامة استفهام أو علامة تعجب أو فواصل منقوطة, ويكون هذا الأسلوب كالتالي:

( متى سوف تقلع طائرتك. بعد ساعة. لا أحب الطائرات. من طلب منك أن تفعل ذلك )

هذا الأسلوب قد يكون مزعجاً لك في البداية, لكنك سوف تعتاده بعد تجاوزك لأوائل الصفحات.

أسلوبا الحوار والسرد دمجها ساراماغو مع أربع أفكار هي كالتالي:

الفكرة الأولى: التقتير في الوصف البصري. الأماكن والأشخاص والأحداث توصف بأقل قدر ممكن من الأوصاف البصرية, بل إنها توصف بالحد الأدنى منه, وهذا هو بالضبط سبب استخدم أسلوب الحوار ذهاباً وإياباً, فهذا الأسلوب يضمن أقل وصف بصري لحالة الشخصية عندما تتكلم.

الفكرة الثانية: البذخ في وصف المدركات غير البصرية. الروائح, نبرات الأصوات, توصف باستفاضة, وهذه الفكرة أيضا سبب آخر لاستخدام أسلوب الحوار ذهابا وإيابا, لأن هذا الأسلوب يسمح بحوارات طويلة ( مدركات صوتية كثيرة ) دون وصف بصري.

الفكرة الثالثة: التسميه الوصفيه. لا يوجد أسماء أبدا في هذه الرواية, الشخصيات لم تسمى, المدينة لم تسمى, الدولة لم تسمى, بل لا يوجد أي اسم لأي علامة تجارية أو شخص أو حدث تاريخي, لا يوجد أي اسم على الإطلاق, واعتمد المؤلف في الإشارة لشخصيات الرواية بالوصف ( الطبيب, الفتاة ذات النظارة السوداء, الطفل الأحول), وهذا النوع من الإشارة للشخصيات لن تجده مملاً؛ لأن الرواية تعتمد على البطولة الجماعية للشخصيات. في الحقيقة اسم الرواية أيضاً وصفي, فاسم العمى هو اقرب لوصف للرواية منه لعنوان لها, في الحقيقة التسمية الوصفيه لها تأثير هائل في إيجاد وهم العمى للقارئ؛ لأن الأسماء تعطي انطباعات بصرية, وحتى هذا الحق البسيط سلبه ساراماغو من قراءه.

الفكرة الرابعة: إبهام الزمن. حاول المؤلف قدر استطاعته أن يخفي زمن الرواية, ولولا بعض الاختراعات البسيطة الواردة في الرواية لضاع إدراك الزمن تماماً بالنسبة للقارئ. وباستخدام هذه الفكرة مع الفكرة الثالثة يسلبنا المؤلف القدرة على التصور والتخيل المبنية على الزمان والمكان, فالمكان والزمان يعطيان قدرة على تخيل شكل الأحداث؛ فحادث سيارة في مدينة الرياض نتخيله بشكل مختلف عن حادث آخر في القاهرة, وتقاتل رجلين في العصر الإغريقي يختلف عن تقاتلهما في العصر العباسي.

هذه الأفكار الأربعة بالإضافة لطريقة السرد وطريقة الحوار كانت طرائق رائعة لنقل تجربة العمى المفاجئ للقارئ, طبعا قبل كل شيء هو سحر كتابة ساراماغو الذي فعل ذلك لكن هذه كانت وسائله.

جدير بالانتباه أنه وبرغم أننا نستطيع أن نرى وجوه عديدة للرعب في هذه الرواية إلا أن أسلوب كتابة الرواية كان ساخراً للغاية, وهذا تناقض رائع أخر.

حقيقة إن الأسلوب السردي لساراماغو مذهل جدا, إن أقل وصف يمكن أن أصف به هذا السرد هو أنه ( جليل ), الحكمة تجري بين سطوره, وبدون أي افتعال أو قسر, دائما يملك هذا الرجل تعميماً رائعا ينتقل به للحدث التالي. يحب ساراماغو أن يذكر الأمثال والحكم في سرده, لكن بشيء من التدقيق يتضح لنا أن معظم ما كتبه من جمل بليغة ليس كلاماً مشهورا متداولا بقدر ما هو في الحقيقة وليد سطره.

كيف استطاع أن يكتب رواية عظيمة ساحره أبدية كهذه بكل التكبيلات التي فرضتها عليه فكرة الرواية؟ .. كيف استطاع أن يجمع كل هذه المتناقضات المذهلة في سرده؟ .. كيف يستطيع أن يكتب بعفويه سطور تخالها حكم سرمديه؟ .. كيف استطاع أن يدير بطولة النص الجماعية بهذه الدقة اللا متناهية؟ ..

جواب هذه الأسئلة جميعاً هو: لهذا نال جائزة نوبل في الأدب بسبب هذه الرواية.

بالنسبة لترجمة الرواية فباسمي وباسم كل من قرأ هذه الرواية أتقدم بالشكر للأستاذ المترجم محمد الحبيب, الترجمة كانت رائعة بالفعل, أثناء قراءتي للرواية كنت أشعر أن الرواية كتبت أصلاً باللغة العربية.

أخر شيء أود الإشارة له هو أنه حاليا يتم العمل لتصوير الرواية كفلم سينمائي وسوف يكون من إخراج ( فرناندو ميراليس ) مخرج الفلم الرائع الخالد ( مدينة الله), وسوف يعرض الفلم في مارس من عام 2008.

***

روايات أخرى لنفس المؤلف:

١ – كل الأسماء

٢ – سنة موت ريكاردو ريس

٣ – الإنجيل يتلوه المسيح

٤ – الرؤية

Advertisements