رواية: الحارس في حقل الشوفان – سالنجر

تنبيه: في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد.

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: الحارس في حقل الشوفان

عنوان الرواية الأصلي: The Catcher In The Rye

اسم الروائي: جيروم ديفيد سالنجر

سنة النشر: 1951

دار الترجمة: دار المدى

للحصول على الرواية باللغة العربية:

أضغط هنا

للحصول على الرواية باللغة الإنجليزية:

أضغط هنا

***

غلاف الرواية:

***

عن الرواية:

عندما اتجه الشاب الصغير, في الحادثة الشهيرة, نحو عضو فرقة البيتلز جون لينون, وأطلق عليه خمسة رصاصات من الخلف, كان حينئذ يحمل في يده الأخرى نسخة من رواية ( الحارس في حقل الشوفان ), وعندما خر لينون صريعاً, جلس الشاب, في مسرح الجريمة, يعيد قراءة الرواية في انتظار الشرطة. ولاحقاً أثناء محاكمته, كان يرفع الرواية ويقول:”هذه هي حجّتي”. وبعد عام واحد فقط, حاول شاب أخر أن يغتال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان, وقد وجد في الغرفة التي كان يسكنها نسخة من رواية ( الحارس في حقل الشوفان ).

( الحارس في حقل الشوفان ) عنوان وردي حالم لرواية غاضبة وثائرة على كل الزيف والخداع الذي يختلقه ويعيشه ويتنفسه البشر. صنّفت مجلة ( التايم ) هذه الرواية واحدة من أهم مئة رواية صدرت بالإنجليزية في القرن الماضي, وبالرغم من أنها صدرت في عام 1951 إلا أنها لا تزال, حتى الآن, تبيع سنوياً ما يقارب ربع مليون نسخة حول العالم, وقد تجاوز عدد النسخ المبيعة منها حتى الآن 65 مليون نسخة, بل إنه بعد شهرين فقط من صدورها أعيدت طباعتها ثماني مرات.

تصنَّف هذه الرواية في صنف ( الرواية التكوينية – Bildungsroman ) أي الرواية التي ينتقل فيها البطل من حالة الضياع والفوضى إلى حالة الاستقرار والنضج.

تبدأ أحداث هذه الرواية في أواخر عام 1950, حيث كان الشاب الصغير هولدن كولفيلد, ذو الستة عشر ربيعاً, يقف فوق تل صغير, في جرستاون في ولاية بنسلفانيا, كان ذاك قبل إجازة رأس السنة بأيام قليلة, وكان الفصل الدراسي في نهايته, لكنه كان قد تلقى إشعاراً يفيد بطرده من المدرسة نظراً لرسوبه في أربع مواد من أصل الخمسة التي كان يدرسها.

يروي لنا الشاب الصغير قصة اليومين التاليين بعد تلقيه هذا الخطاب.هذه هي الرواية فقط. مجرد ثمانية وأربعين ساعة في حياة مراهق مطرود من المدرسة.

قد تبدو حبكة الرواية أبسط من اللازم, أو قد يبدو أن ليس هناك حبكة على الإطلاق, وهذا صحيح إلى حد ما؛ فقوة هذه الرواية ليست في حبكتها, قوتها في الحقيقة هي في طريقة سردها وحواراتها ومونولوقاتها الداخلية.

حقيقة أن طريقة تركيب الحوارات في هذه الرواية ثورية جداً؛ فعلى الرغم من أن الرواية كلها يرويها هولدن كولفيلد باستخدام ضمير المتكلم البسيط والمحدود القدرة, أو ما يعرف أدبياً بأسلوب ( الشخص الأول ) وعلى الرغم من أن الطريقة التي يسرد بها الرواية هي الطريقة التي يتحدثها معظم المراهقين أيضاً, بكل ما فيها من لعثمة, واضطراب, وسخرية, وتشتت, وبذاءة, وتكرار غير مقصود, إلا أن تأثير هذه الطريقة كان نافذاً وقوياً؛ فالسرد والحوارات طبيعية وعفوية وتلقائية لدرجة غير مسبوقة, لا يظهر فيها أي افتعال أو تصنُّع, ولن يشعر القارئ, ولو للحظة, أن الروائي حاول أن يوجِّه أياً منها إلى مكان ما, بل إنها كانت تبدو وكأنها أحاديث عادية مبعثرة تكتب نفسها بنفسها, وبالرغم من ذلك فقد كانت حوارات دقيقة وعميقة ومقصودة. حتى أنها في النهاية لم تقنع القارئ بطريقة تفكير هولدن كولفيلد فحسب, بل جعلته ينظر للعالم كله من خلالها. حقيقة أني أجزم أن هذا العمل هو أفضل عمل استخدم أسلوب ( ضمير المتكلم ) في السرد, ومن أفضل الأعمال من ناحية بناء الحوار, في الأدب الحديث.

إلى أي درجة قد تكون حياة البشر فاسدة؟ وإلى أي درجة حياتهم مزيفة؟ وهل بالإمكان تغيير ذلك؟ هولدن كولفيلد يقنّعك أن حياة البشر أكثر فساداً وأكثر زيفاً وأكثر صعوبة على التغيير مما تتصور. العالم في نظره مجرد إعلان تجاري مخادع, والناس لا يتعدون كونهم ممثلين رديئين فيه, ممثلون لا يرى فيهم سوى الضحالة والزيف والنفاق, ولا يفلت من رؤيته هذه سوى الأطفال؛ فالأطفال عنده هم الفئة الوحيدة الصادقة والبريئة, والمسألة لا تتجاوز كونها وقتاً وينفد, ليكبر بعدها الأطفال ويصيرون ممثلين رديئين آخرين.

عندما يقدِّم هولدن كولفيلد آراءه هذه, وعندما يصدر هذه الأحكام والتعميمات نجده يكرّ ويفرّ. فتارة تجده ساخطاً, وتارة ساخراً, وتارة بذيئاً, وتارة لا مبالياً. لكنه, في كل الأحوال, يشدّ القارئ, يقنعه, يخدّره, وفي النهاية يسيطر عليه, وعندما تصل الرواية إلى آخر كلمة, يكون القارئ قد صار ( حارس حقل شوفان ) أخر.

القضية الكبرى التي أثارتها هذه الرواية هي لغتها؛ فالرواية مكتوبة بلهجة سكان نيويورك العامية, وليس هذا فحسب, بل إن بطل الرواية شخص كثير السباب واللعن والشتم. هذه اللغة ربما تبدو, لأول وهلة, طريقة همجية وبذيئة في كتابة الرواية, لكنها, في الحقيقة, طريقة مميزة وواقعية في السرد وفي رسم شخصية بطل الرواية؛ فقد استطاعت هذه اللغة أن تعبِّر عن شحنة الغضب والغل عنده, ومن جهة أخرى, فإن غاية هولدن كولفيلد هي الهروب من الزيف, واللغة المتكلّفة الباذخة, بلا شك, هي تزييف كبير. على كل حال, يرى اللغويون هذا العمل كنزاً ثميناً؛ فهو يسجِّل, بشكل دقيق, المفردات, والتعابير, التي كانت رائجة بين المراهقين في نيويورك إبان الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي.
على الرغم من كل الغايات الأدبية لهذا الاستخدام اللغوي, إلا أن الضريبة كانت باهظة. فبحسب جمعية المكتبات الأمريكية, احتلت هذه الرواية المركز الثالث عشر في قائمة أكثر الروايات المحظورة في المدارس والمكتبات العامة, بل أنه في عام 1960 فُصل أحد المدرسين في ولاية أوكلاهوما لأنه قرّر هذه الرواية على طلابه.

أصبح هولدن كولفيلد رمزاً للتحدي والتمرَّد عند المراهقين. يقول عنه سالنجر – كاتب الرواية – إنه شخصية بسيطة جداً ومعقدة جداً؛ فعلى الرغم من أن هذه الشخص ممتلئ بالسخط, وعلى الرغم من أنه أحياناً يبدو وكأنه يتكلم بصوت عالٍ, إلا أن سخريته وحس دعابته كان هستيرياً, حتى أن من الصعوبة أن تجد صفحة واحدة في هذه الرواية لم يتحصل فيها هولدن كولفيلد على ضحكة عالية من القارئ, وفي الوقت نفسه فإن مشاعر هذه الشخص هشة جداً, وقدرته على الانفعال والتأثر وحساسيته مفرطة للغاية.

تقارن هذه الرواية على الدوام برواية ( مغامرة هوكليبري فين ) للأديب مارك توين؛ فكلتا الروايتان بطلها شاب صغير, وتستخدمان ضمير المتكلم في السرد, وتتقاربان في الموضوع والحبكة. بالإضافة إلى ذلك فإن كل من الروايتين ينقل جزء من تجربة روائيهما الحقيقية, لكن هولدن كولفيلد يتفوّق على هوكليبري فين راوياً بحكم الطريقة, والمفردات, التي جعله سالنجر يتحدث بها.

كاتب الرواية هو ( جيروم ديفيد سالنجر ), ورواية ( الحارس في حقل الشوفان ) هي روايته الوحيدة, وهي عمله الأشهر. فقد صدرت له عدة قصص قصيرة قبل هذه الرواية, وصدرت له بعدها ثلاث مجموعات قصصية قصيرة, وقصة واحدة. ظهرت شخصية هولدن كولفيلد, وبعض شخصيات هذه الرواية, أول مره, في عام 1945, في قصة قصيرة اسمها ( إنني مجنون ), ومره أخرى في عام 1946, في قصة اسمها ( تمرّد ماديسون الطفيف ), وقد شكَّلت هذه وقصص أخرى كتبها سالنجر في فترة الأربعينات أسس بعض فصول وشخصيات هذه الرواية.

ولد سالنجر, طفلاً ثانياً وأخيراً, في مدينة ( منهاتن ) بولاية ( نيويورك ) في عام 1919 لأم أيرلندية – اسكوتلنديه ولأب بولندي. وكانت عائلته ميسورة الحال, تخرَّج من أكاديمية عسكرية 1936, وفي العام التالي تعرَّف على فتاة تدعى ( أونا أونيل ) وأحبها, ولكنه صدم حين علم أنها تزوجت الممثل ( شارلي شابلن ), رغم فارق السن بينهما. يقول سالنجر في إحدى المقابلات الصحافية أن حياته الشخصية تشبه إلى حد كبير حياة هولدن كولفيلد.

لم يحرَّك سالنجر ساكناً تجاه نجاح روايته الساحق. بل إنه رفض أن تنشر صورته على غلافها. وعلى الرغم من ذلك تواصل اهتمام وسائل الإعلام به ومطاردتها له, حتى تعمَّد تقليل نشر أعمالة, ثم توقف في النهاية عن النشر, بل أصبح يصف النشر بأنه ( مقاطعة مزعجة ), وتطورت الأمور حتى انكفأ على نفسه, وابتعد عن الناس, وانعزل عن المجتمع تماماً, ولا يزال سالنجر حتى الآن في عزلته, وهو على أبواب التسعينات, في ولاية ( نيوهامبشير ), حتى أن مجلة ( التايم ) وضعت صورته على غلافها, في أحد أعداد عام 1961, تحت عنوان ( حياة من العزلة ).

في عام 1949 صدر فلم ( قلبي الغبي ) الذي اعتمد على قصة سالنجر القصيرة ( العم وينقلي في كونيكتيكت ) وقد حوِّرت هذه القصة في الفلم كثيراً. وقد كان هذا التحوير سبباً لرفض سالنجر القاطع لأي محاولة لنقل أي عمل أخر له للسينما, على الرغم من تلقيه عدة عروض من مخرجين ومنتجين كبار لتبنِّي أعماله.

في عام 2007 صدر فيلم عنوانه ( الفصل 27 ) عن حادثة اغتيال ( جون لينون ), وعنوان الفيلم يشير لرواية ( الحارس في حقل الشوفان ) التي تنتهي عند الفصل ( 26 ), وكأن هذا الفيلم تتمة للرواية, وفي عام 2008 أصدر أحد المخرجين أغرب فيلم يمكنك أن تسمع عنه في حياتك, الفلم هو عبارة عن شاشة زرقاء تظهر لمدة 75 دقيقة وست ثواني, لا أكثر من ذلك ولا أقل, وقد جعل عنوان هذا الفيلم ( الحارس في حقل الشوفان ).

نلاحظ في معظم أعمال سالنجر ازدراء ( هوليوود ) واعتبارها منارة للتزييف والخداع. ربما كان رأي سالنجر هذا, رغم تجربته السينمائية الوحيدة, سبباً لرفضه تحويل أعماله أفلاماً سينمائية, وربما يكون هذا الرفض, بل وحتى رأيه نفسه, لا يتعدى كونه ردة فعل بعد زواج الفتاة التي أحبها من الرمز السينمائي ( شارلي شابلن ) لكن بغض النظر عن هذا وذاك, فسالنجر قدَّم في هذه الرواية آراء سينمائية عميقة ورائعة, هذا بالرغم من أنها كلها كانت مغلفة بالتهكم والسخرية.

ترجمت هذه الرواية إلى كل اللغات الكبرى في العالم, وترجمها للعربية الروائي الأردني ( غالب هلسا ) – رحمه الله – منذ أكثر من ثلاثين عاماً, وأعادت دار ( المدى ) نشر العمل في 2007. المشكلة التي واجهت الأستاذ غالب هي أن الرواية مكتوبة باللهجة العامية, وعلى الرغم من ذلك فقد استطاع أن يقدِّم ترجمة مميزة لها. لكنه لو طعّم ترجمته ببعض الكلمات العامية, والتي قد تكون لها جذور فصيحة, فإنها سوف تكون أكثر تأثيراً في القارئ العربي.

( الحارس في حقل الشوفان ) بصمة أدبية مميزة بين الروايات. رواية جمالها في بساطة طرح أفكارها, وقوتها في قدرتها على إقناع قارئها بهذه الأفكار, وهي درس أدبي خاص في بناء الحوارات واستخدام اللغة في الرواية.

Advertisements