رواية: عالم صوفي – جوستاين غاردر

تنبيه: ليس هناك حرق للرواية في هذه المراجعة.

في هذا المراجعة سوف أتحدث فقط عن الترجمة العربية لرواية “عالم صوفي”؛ فقد سنحت لي الفرصة لقراءة جزء كبير من الرواية بالترجمة العربية ( 350 صفحة ) ومن ثم إعادة قراءتها كاملاً بالترجمة الإنجليزية. نجحت المترجمة ( حياة الحويك عطيه ) إلى حد ما في ترجمة الرواية حتى فصل ديكارت, من بعدها إنحدر مستوى الترجمة بشكل واضح. مشكلة الترجمات العربية عموما, وهذه الترجمة خصوصا, أنها لا تخضع للتدقيق أو المراجعة بعد الانتهاء منها. في جولة في المنتديات العربية سوف تلاحظ ان معظم القراء قرأوا الرواية حتى بعد فصل ( ديكارت ) بفصول قليله ثم توقفواوهذا مثال على نادي للقراءة أقيم في منتدى الأقلاع.

http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=619…

رغم أن عدد الردود وصل لـ 182 مشاركة, إلا أنك لن تجد أي عضو على الإطلاق تحدث عن النهاية الغريبة للرواية .. لماذا؟ .. لأنهم لم يستطيعوا إكمالها. لن تجد إلا عضوة واحدة ( جورجينا ) تحدثت, وعلى عجل, عن أكبر مفاجاء موجودة في الرواية ( المفاجاءة الموجودة في فصل بجركلي ) هذه المفاجاءة هي حدث محوري جدا في الرواية, ومع ذلك لم يتطرق لها احد .

وهنا موضوع أخر, حيث يكتب ( يوسف ) و (هديل ) – وهما قارئان مميزان ونهمان للكتب – اقتباسات من الرواية مع بعض إضافة تعليقات وشروحات عليها ( في 187 رد ):

http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=295…

نجد أن يوسف يستخدم مصادر خارجية لشرح مواضيع الرواية ابتداء من فصل ( كانت ), ونجد أنهما لم يقتبسا أي شيء على الإطلاق من الثلاث فصول الأخيرة, ولا نجد أي تعليق منهما على حبكة الرواية أو المفاجاءة الموجودة في فصل ( بجركلي ) أو النهاية الغريبة.

لماذا؟

لأن المترجمة لم تنجح في نقل الرواية كلها, الترجمة نجحت فقط في نقل نصف الرواية الأول ( وهذا سبب شعبيتها ). أثناء قراءتي للعمل باللغة الإنجليزية كانت النسخة العربية إلى جواري طول الوقت, وبين حين وحين أفتح النسخة العربية لمقارنة الترجمتين, حقيقة اني لم ألم نفسي حين توقفت عن إكمال قراءة النسخة العربية, بل إني لا استطيع ان اتخيل اني سوف كنت سأفهم ما بعد فصل ( ديكارت ) أو استطيع ان اتابع حبكة الرواية لو أكملت قراءتها بالعربية.

في بعض أحيانا لا تستطيع أن تلوم المترجم, فالترجمة عمل شاق ومضني, لكن في بعض الأحيان يصيبك الفالج والله من بعض الأخطاء غير المبرره.

سوف أذكر الآن مثالين على هذه الأخطاء:

في النسخة الإنجليزية في الصفحة 364 مكتوب:

“Here is another example for you: the Danish nuclear physicist Niels Bohr is said to have told a story about Newton’s having a horseshoe over his front door.”

في النسخة العربية في الصفحة 386 مكتوب:

“خذي مثالا: يقال أن الباحث الشهير في الفيزياء النووية نيلز بوهر كان يضع فوق بابه حدوة حصان”

هل بإمكانك أن تغفر هذا الخطأ؟ إن أي طالب ثانوي يستطيع ان يترجم هذه الجملة دون أي مشاكل, ولكن الترجمة العربية ( التي يصل سعرها لـ 85 ريال ) جعلت نيلز بوهر هو الذي يضع حدوة الحصان لا نيوتن.

مثال على خطأ أخر بشكل أخر:

في صفحة 146 كان الحديث يدور حول ( الأفلاطونيون الجدد ) وفجاءة ومن دون أي سابق أنذار يقول المؤلف في الفقرة الرابعة ( تخيلي الحقيقة الآن, كنار المخيم هذه ). الغريب انه لم يتم ذكر اي مخيم على الإطلاق حتى الآن, ولن يكون عند القارئ العربي اي فكرة عماذا يتحدث المؤلف, لكن اللغز يحل بعد عدة صفحات, وتحديدا في الصفحة 149 في الفقرة الرابعة عندما يقول المؤلف ( تخيلي, عزيزتي صوفي, نارا مشتعله في مخيم ) الذي حصل هو أن الفقرة الثالثة والرابعة من الصفحة 149 هي أصلا جزء من الصفحة 146 لكن لسبب لا يعلمه إلا الله انتقلت هذه الفقرات ثلاث صفحات للوراء في الترجمة العربية.

هذه أمثلة سريعة على بعض الأخطاء غير المبررة التي تمتد على طول الرواية.

لغة هذا العمل بسيطة جداً, ولا تحتاج إلى جهد كبير في الترجمة, لكن مع ذلك نقله للعربية لم يكن ناجحاً أبداً.

الشيء الذي أعجبني في الترجمة العربية أن المترجمة لم تحذف أي شيء. جرت العادة أن يحذف المترجمون العرب ما يخالف ثقافتهم, ولكن رغم أن عالم صوفي تحدثت عن بعض المواضيع الحساسة ( نظرية التطور, أفكار فرويد, تطور الأديان ) إلا أن المؤلفه لم تتجاوز أو تحذف أي شيء .. بغض النظر عن موقفي او موقف اي شخص اخر من هذه القضايا, لكن الأمانة الأدبية والعلمية تقتضي ان ينقل المترجم العمل كاملا وأن لا يسمح لنفسه بأن يحدد ما يناسب القراء وما لا يناسبهم.

الشيء الطريف جدا ( والمحزن في نفس الوقت ) أن المترجمة سمحت لنفسها بأن تتدرج أكثر من نصف صفحة من عندها, لقد شاهدت الكثير من المترجمين الذين يحذفون ما لا يعجبهم في النص, ولكن كسابقة تُسجل لحياة الحويك, لأول مره أرى مترجم يضيف كلام من جيبه الخاص؛ ففي الصفحة 184, نصف الفقرة الأولى هو الموجود في الترجمة الإنجليزية, أما النصف الثاني ( بداية بالحديث عن الكندي ) والفقرة الثانية, والثالثة, والرابعة غير موجودة. في ذلك الموضع كان الفيلسوف البرتو يتحدث عن تأثير العرب على الحضارة الأوروبية ويبدو ان المترجمة أخذتها الحماسة إلى درجة أنها أضافت ثلاث فقرات هدية فوق البيعة ( كان شيء غير مهضوم عندما قرأت أن البرتو نوكس يقول ان ابن رشد هو صاحب التأثير الأكبر في الفلسفة الأوربية, وهنا عرفت ان يد المترجم تدخلت, ولم اكن على خطأ أبدأ ).

الأكثر طرافة من هذا كله, أن القارئ العربي يصنف ترجمة ( عالم صوفي ) بأنها ترجمة جيدة, ولا ألومهم على ذلك, فهم يرون عجائب الترجمة كل يوم, وما عالم صوفي إلا أعور في مدينة العميان.

Advertisements