رواية: حُفَر – لويس ساكر

تنبيه: في هذه المراجعة لا يوجد أي حرق للرواية.
***

ستانلي يارلنت شاب صغير, سمين, ومسالم. حظه وحظ عائلته عاثر جدا لدرجة أنهم يتداولون فكرة أن لعنة ما قد حلت عليهم منذ زمن بعيد. تبدأ الرواية وهو يجلس وحيدا في حافلة, مكبل اليدين, ومتجهاً لمخيم ( البحيرة الخضرء ) في ولاية تكساس. أدانت المحكمة ستانلي وحكمت عليه بقضاء ١٨ شهرا في هذا المخيم. في الحقيقة هو لم يرتكب أي جرم, مشكلته الوحيدة أنه تواجد في المكان الخطأ وفي والوقت الخطأ, كعادته دائما. مخيم البحيرة الخضراء عبارة عن إصلاحية للشباب الصغار وليس له من اسمه أي نصيب; فلا هو أخضر ولا هناك بحيرة.

فلسفة المخيم واضحة ومباشرة: ( أحضر الشبان الأشرار, أجعلهم يحفرون ويحفرون ويحفرون, وبعد ذلك سيصبحوا شباناً صالحين ).

بوصول ستانلي لمخيم البحيرة الخضراء تبدأ المغامرة الشيقة ..

صدرت رواية حُفَر في سنة ١٩٩٨ ونالت في نفس السنة جائزة الكتاب الدولية لصنف كتب الشباب, وفي السنة التالية نال ( لويس ساكر ) ميدالية نيوبري, وهي ميدالية سنوية تُقدم خصيصا لأفضل كاتب لكتب الشباب.

يُقال أن لويس ساكر يعيد كتابة رواياته عددا ليس قليل من المرات, أحيانا يصل هذا العدد إلى ست مرات, هذا قبل أن ينقحها ويراجعها ويعيد كتابتها لمرة سابعة قُبيل النشر. أثناء قراءتك لهذه الرواية سوف تتأكد بنفسك أن هذا الادعاء لا يتضمن أي مبالغة. الرواية محبوكة, الأحداث متداخلة بشكل حاذق, الشخصيات جذابة, وطبقات وثيمات الرواية متعددة وثرية لدرجة سوف تجعلك ترغب بإعادة قراءتها مرارا وتكرارا.

تبنت شركة ديزني الرواية كفيلم وتم إنتاجه عام ٢٠٠٣. لويس ساكر كان أيضا كاتبا لسيناريو الفيلم, وإذا دققت قليلا في المشاهد سوف تنتبه لظهوره السريع في أحدها (هذا بافتراض أنك تعرف شكله). الفيلم جيد, وقد لقي ردود فعل إيجابية من النقاد, وحصاده تجاوز السبعين مليون دولار. شخصيا استمتعت كثيرا بالموسيقى التصويرية للفيلم, خصوصا مقطوعة (Dig it up) و (Down to the Valley).

دون أي جدال, هناك ألاف السنين الضوئية تفصل الفيلم عن الرواية. الرواية أفضل بكثير. رجاء لا تشاهد الفيلم قبل قراءة الرواية.

أي معجب بأي رواية يدرك أنه حين يتم تبنيها كفيلم فأنه سيضطر لأن يساوم مرارا وتكرار. بالنسبة لفيلم حُفَر المساومة بيني وبينه كانت مثمرة في معظم المشاهد إلا أن اختيار الممثل الشاب ( شيا لابوف ) لتجسيد شخصية ستانلي يارنت كان محبطا للغاية وشنق العمل حتى النفس الأخير.

على كل حال, تظل رواية حُفَر عمل فتاك .. مئتي صفحة متروسة بالمتعة والحماس.

تمنياتي لكم بقراءة ممتعة.

Advertisements

رواية: مايا – جوستاين غاردر

تنبيه:لا يوجد حرق للرواية في هذه المراجعة

***

رواية مايا عبارة عن تأملات في المعجزة التي اسمها ( وجودنا ) أو كما تقول الرواية ( لو تعلق الأمر بالاحتمالات, لشارف هذا الوجود على الاستحالة ).

كل كوكب قادر على الحياة سيبلغ عاجلاً أم آجلاً شكلاً من الوعي. قد يستلزم الطريق من أول خلية حية إلى عضوية معقدة مثلنا عدداً من المنعطفات, لكن الهدف النهائي يبقى هو ذاته. فالكون يكافح من أجل أن يفهم ذاته, والعين التي تشرف على الكون من علٍ هي عين الكون بالذات.

تبدأ الرواية بوصول فرانك أندرسون, عالم الأحياء التطوري, للجزيرة الفيجية تافوني للاسترخاء قادماً من استراليا بعد أن أنهى رحلة بحث علمي. في الأيام القليلة التي يقضيها فرانك في تافوني يلتقي ببعض الأشخاص المثيرين للاهتمام وتدور بينه وبينهم بعض الحوارات التي لا استطيع ان أصف مدى روعتها.

ما هو جدير بالاهتمام بخصوص هذه الرواية هو أن هذه التأملات تأخذ طابعاً علميا؛ إنها من الأعمال النادرة جدا التي تعجن القلق الوجودي ونظريات النشوء والتطور بشيء من التأملات الصوفيه في الوعي الإنساني مع نظرية الانفجار العظيم لينتج لنا هذا القالب الروائي البهي.

عرف الجمهورالعربي يوستاين غاردر من خلال رواياته عالم صوفي وسر الصبر وفتاة البرتقال, أما رواية مايا قد تكون هي الأقل شهرة من بينهم وهذا له مبرره. يوستاين غاردر قبل ان يكون روائياً هو أستاذ فلسفة, لذلك دائما ما تجد في رواياته محاولات رائعة وجبارة لتبسيط الفلسفة. لكن في رواية مايا, وعلى عكس باقي رواياته, ليس هناك تبسيط لطرح الرواية الفلسفي, بالإضاقه لذلك يجب أن يكون لدى القراء خلفيه عن نظرية التطور. المحتوى الفلسفي في الرواية ليس معقداً لكنه لا يمر بمراحل متعددة من التبسيط في مثل رواية عالم صوفي.

لو لم يكن لديك خلفية عن نظرية التطور, أو لم تكن مقتنعاً بصحتها, فهذه الرواية لن تقدم لك شيئاً على الإطلاق. أستطيع أن اتجاوز واقول ان الرواية هي رواية عن فلسفة التطور.

تقييمي للرواية هو ثلاث نجمات فقط من أصل خمس, لمَ؟

قبل كل شيء دعوني أؤكد لكم أن بعض الجُمل وبعض الحوارات في هذه الرواية وصلت لمرحلة (السلطنه) لكن وبرغم ذلك فرتم الرواية بطئ, وفي بعض الأحيان يكون مملاً. في بداية كل فصل كنت أعرف اني لا بد أن أمر بست أو سبع صفحات من الوصف الباذخ لكل شيء في العالم قبل أن يبدأ الحوار المثير; ولهذا طارت النجمة الأولى.

النجمة الثانية خسرها يوستاين غارد لأنه يكرر استخدام نفس الوسائل الأدبية بشكل لا يصدق؛ ما هذا الهوس بالرسائل وأوراق اللعب (الكوتشينه) وبأسلوب قصة داخل قصة؟؟؟ … بدأت أشك انه ينتمي لديانه تقدس هذه الأشياء. رغم أنها أدوات رائعة وخدمت العمل إلا أنني بصراحة زهقت منها؛ هذا رابع عمل أقرأه ليوستاين غاردر ونفس الأدوات تتكرر.

السبب الأخر لخسارة النجمة الثانية هو أن جهد غاردر انصب بشكل رئيسي تجاه الحوارات لدرجة أن الحبكة كانت بالنسبة لي, وهذا مجرد انطباع شخصي, ركيكة.

على كل حال, أنا قرأت الترجمة العربية للرواية الصادرة من دار الكلمة بترجمة ياسين الحاج صالح, وهي ترجمة ممتازة, وهذا كان شيء غير متوقع البتة من دار نشر يبدو أنها لم تكن تملك حقوق ترجمة العمل. المطب الوحيد الذي واجهه المترجم هو انه كانت هناك بعض السطور الشعرية, وهو مما كان يصعب ترجمته لكن تمت ترجمتها بشكل لا بأس به على كل حال.

رواية: عالم صوفي – جوستاين غاردر

تنبيه: ليس هناك حرق للرواية في هذه المراجعة.

في هذا المراجعة سوف أتحدث فقط عن الترجمة العربية لرواية “عالم صوفي”؛ فقد سنحت لي الفرصة لقراءة جزء كبير من الرواية بالترجمة العربية ( 350 صفحة ) ومن ثم إعادة قراءتها كاملاً بالترجمة الإنجليزية. نجحت المترجمة ( حياة الحويك عطيه ) إلى حد ما في ترجمة الرواية حتى فصل ديكارت, من بعدها إنحدر مستوى الترجمة بشكل واضح. مشكلة الترجمات العربية عموما, وهذه الترجمة خصوصا, أنها لا تخضع للتدقيق أو المراجعة بعد الانتهاء منها. في جولة في المنتديات العربية سوف تلاحظ ان معظم القراء قرأوا الرواية حتى بعد فصل ( ديكارت ) بفصول قليله ثم توقفواوهذا مثال على نادي للقراءة أقيم في منتدى الأقلاع.

http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=619…

رغم أن عدد الردود وصل لـ 182 مشاركة, إلا أنك لن تجد أي عضو على الإطلاق تحدث عن النهاية الغريبة للرواية .. لماذا؟ .. لأنهم لم يستطيعوا إكمالها. لن تجد إلا عضوة واحدة ( جورجينا ) تحدثت, وعلى عجل, عن أكبر مفاجاء موجودة في الرواية ( المفاجاءة الموجودة في فصل بجركلي ) هذه المفاجاءة هي حدث محوري جدا في الرواية, ومع ذلك لم يتطرق لها احد .

وهنا موضوع أخر, حيث يكتب ( يوسف ) و (هديل ) – وهما قارئان مميزان ونهمان للكتب – اقتباسات من الرواية مع بعض إضافة تعليقات وشروحات عليها ( في 187 رد ):

http://vb.eqla3.com/showthread.php?t=295…

نجد أن يوسف يستخدم مصادر خارجية لشرح مواضيع الرواية ابتداء من فصل ( كانت ), ونجد أنهما لم يقتبسا أي شيء على الإطلاق من الثلاث فصول الأخيرة, ولا نجد أي تعليق منهما على حبكة الرواية أو المفاجاءة الموجودة في فصل ( بجركلي ) أو النهاية الغريبة.

لماذا؟

لأن المترجمة لم تنجح في نقل الرواية كلها, الترجمة نجحت فقط في نقل نصف الرواية الأول ( وهذا سبب شعبيتها ). أثناء قراءتي للعمل باللغة الإنجليزية كانت النسخة العربية إلى جواري طول الوقت, وبين حين وحين أفتح النسخة العربية لمقارنة الترجمتين, حقيقة اني لم ألم نفسي حين توقفت عن إكمال قراءة النسخة العربية, بل إني لا استطيع ان اتخيل اني سوف كنت سأفهم ما بعد فصل ( ديكارت ) أو استطيع ان اتابع حبكة الرواية لو أكملت قراءتها بالعربية.

في بعض أحيانا لا تستطيع أن تلوم المترجم, فالترجمة عمل شاق ومضني, لكن في بعض الأحيان يصيبك الفالج والله من بعض الأخطاء غير المبرره.

سوف أذكر الآن مثالين على هذه الأخطاء:

في النسخة الإنجليزية في الصفحة 364 مكتوب:

“Here is another example for you: the Danish nuclear physicist Niels Bohr is said to have told a story about Newton’s having a horseshoe over his front door.”

في النسخة العربية في الصفحة 386 مكتوب:

“خذي مثالا: يقال أن الباحث الشهير في الفيزياء النووية نيلز بوهر كان يضع فوق بابه حدوة حصان”

هل بإمكانك أن تغفر هذا الخطأ؟ إن أي طالب ثانوي يستطيع ان يترجم هذه الجملة دون أي مشاكل, ولكن الترجمة العربية ( التي يصل سعرها لـ 85 ريال ) جعلت نيلز بوهر هو الذي يضع حدوة الحصان لا نيوتن.

مثال على خطأ أخر بشكل أخر:

في صفحة 146 كان الحديث يدور حول ( الأفلاطونيون الجدد ) وفجاءة ومن دون أي سابق أنذار يقول المؤلف في الفقرة الرابعة ( تخيلي الحقيقة الآن, كنار المخيم هذه ). الغريب انه لم يتم ذكر اي مخيم على الإطلاق حتى الآن, ولن يكون عند القارئ العربي اي فكرة عماذا يتحدث المؤلف, لكن اللغز يحل بعد عدة صفحات, وتحديدا في الصفحة 149 في الفقرة الرابعة عندما يقول المؤلف ( تخيلي, عزيزتي صوفي, نارا مشتعله في مخيم ) الذي حصل هو أن الفقرة الثالثة والرابعة من الصفحة 149 هي أصلا جزء من الصفحة 146 لكن لسبب لا يعلمه إلا الله انتقلت هذه الفقرات ثلاث صفحات للوراء في الترجمة العربية.

هذه أمثلة سريعة على بعض الأخطاء غير المبررة التي تمتد على طول الرواية.

لغة هذا العمل بسيطة جداً, ولا تحتاج إلى جهد كبير في الترجمة, لكن مع ذلك نقله للعربية لم يكن ناجحاً أبداً.

الشيء الذي أعجبني في الترجمة العربية أن المترجمة لم تحذف أي شيء. جرت العادة أن يحذف المترجمون العرب ما يخالف ثقافتهم, ولكن رغم أن عالم صوفي تحدثت عن بعض المواضيع الحساسة ( نظرية التطور, أفكار فرويد, تطور الأديان ) إلا أن المؤلفه لم تتجاوز أو تحذف أي شيء .. بغض النظر عن موقفي او موقف اي شخص اخر من هذه القضايا, لكن الأمانة الأدبية والعلمية تقتضي ان ينقل المترجم العمل كاملا وأن لا يسمح لنفسه بأن يحدد ما يناسب القراء وما لا يناسبهم.

الشيء الطريف جدا ( والمحزن في نفس الوقت ) أن المترجمة سمحت لنفسها بأن تتدرج أكثر من نصف صفحة من عندها, لقد شاهدت الكثير من المترجمين الذين يحذفون ما لا يعجبهم في النص, ولكن كسابقة تُسجل لحياة الحويك, لأول مره أرى مترجم يضيف كلام من جيبه الخاص؛ ففي الصفحة 184, نصف الفقرة الأولى هو الموجود في الترجمة الإنجليزية, أما النصف الثاني ( بداية بالحديث عن الكندي ) والفقرة الثانية, والثالثة, والرابعة غير موجودة. في ذلك الموضع كان الفيلسوف البرتو يتحدث عن تأثير العرب على الحضارة الأوروبية ويبدو ان المترجمة أخذتها الحماسة إلى درجة أنها أضافت ثلاث فقرات هدية فوق البيعة ( كان شيء غير مهضوم عندما قرأت أن البرتو نوكس يقول ان ابن رشد هو صاحب التأثير الأكبر في الفلسفة الأوربية, وهنا عرفت ان يد المترجم تدخلت, ولم اكن على خطأ أبدأ ).

الأكثر طرافة من هذا كله, أن القارئ العربي يصنف ترجمة ( عالم صوفي ) بأنها ترجمة جيدة, ولا ألومهم على ذلك, فهم يرون عجائب الترجمة كل يوم, وما عالم صوفي إلا أعور في مدينة العميان.

رواية: أحلام اينشتاين – ألن لايتمان

تنبيه: لا يوجد حرق للرواية في هذه المراجعة

***

حصلت على نسخة من هذا العمل منذ خمس سنوات, ومنذ ذلك الحين وأنا أعيد قراءته مره كل عام.

كتاب أحلام اينشتاين عبارة عن ثلاثين فصلاً قصيراً, كل فصل هو مزيج من القصة والفلسفة والعلم والتصوف بخصوص الزمن.

كل فصل يحكي قصة عالم مختلف للزمن فيه قصة مختلفه .. في أحد العوالم يكون الزمن دائري يكرر نفسه إلا ما لانهاية .. وفي عالم أخر يكون الزمن عبارة عن ثلاث ابعاد في كل بعد يكون لكل شخص قصة مختلفه .. وفي عالم أخر لا يوجد مستقبل .. وفي عالم أخر يتغير الماضي .. وفي عالم أخر الزمن يسبق الماضي الحاضر .. وفي عالم اخر ينفذ الزمن .. وافكار مجنونة أخرى.

لا تستطيع تصنيف هذا العمل تحت تصنيف الخيال العلمي إطلاقاً لا من بعيد ولا من قريب ( رغم أن شكله يبدو كذلك ) هذا العمل في الحقيقة عمل صوفي وجودي إنساني بحت .. في كل واحدة من هذه القصص المجنونة يتخيل لايتمان شكلاً جديداً للزمن .. ثم يتخيل عالماً يحكمه هذا الشكل .. بعد ذلك ينقل لنا صورة من أفكار ومشاعر وفلسفات الناس في هذا العالم .. كيف يتصرف ويفكر ويشعر الناس لو كان الزمن لا ينتهي؟ وكيف يتصرفون لو كان المستقبل محدد سلفاً؟ وماذا لو كان الماضي متغيراً؟ وماذا لو كان الزمن سوف ينتهي بعض بضع دقائق؟ مالعلاقة بين ما نقوم به ( الأحداث ) والزمن؟.

لا معادلات في هذا العمل ولا سيوف ليزر ولا آلالات تتنقل في الزمن .. هنا فقط الكثير الكثير من الصوفيه .. والكثير الكثير من الآلم الوجودي … والكثير الكثير من الشجن والجمال واللذة والطرب.

رواية: الحارس في حقل الشوفان – سالنجر

تنبيه: في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد.

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: الحارس في حقل الشوفان

عنوان الرواية الأصلي: The Catcher In The Rye

اسم الروائي: جيروم ديفيد سالنجر

سنة النشر: 1951

دار الترجمة: دار المدى

للحصول على الرواية باللغة العربية:

أضغط هنا

للحصول على الرواية باللغة الإنجليزية:

أضغط هنا

***

غلاف الرواية:

***

عن الرواية:

عندما اتجه الشاب الصغير, في الحادثة الشهيرة, نحو عضو فرقة البيتلز جون لينون, وأطلق عليه خمسة رصاصات من الخلف, كان حينئذ يحمل في يده الأخرى نسخة من رواية ( الحارس في حقل الشوفان ), وعندما خر لينون صريعاً, جلس الشاب, في مسرح الجريمة, يعيد قراءة الرواية في انتظار الشرطة. ولاحقاً أثناء محاكمته, كان يرفع الرواية ويقول:”هذه هي حجّتي”. وبعد عام واحد فقط, حاول شاب أخر أن يغتال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان, وقد وجد في الغرفة التي كان يسكنها نسخة من رواية ( الحارس في حقل الشوفان ).

( الحارس في حقل الشوفان ) عنوان وردي حالم لرواية غاضبة وثائرة على كل الزيف والخداع الذي يختلقه ويعيشه ويتنفسه البشر. صنّفت مجلة ( التايم ) هذه الرواية واحدة من أهم مئة رواية صدرت بالإنجليزية في القرن الماضي, وبالرغم من أنها صدرت في عام 1951 إلا أنها لا تزال, حتى الآن, تبيع سنوياً ما يقارب ربع مليون نسخة حول العالم, وقد تجاوز عدد النسخ المبيعة منها حتى الآن 65 مليون نسخة, بل إنه بعد شهرين فقط من صدورها أعيدت طباعتها ثماني مرات.

تصنَّف هذه الرواية في صنف ( الرواية التكوينية – Bildungsroman ) أي الرواية التي ينتقل فيها البطل من حالة الضياع والفوضى إلى حالة الاستقرار والنضج.

تبدأ أحداث هذه الرواية في أواخر عام 1950, حيث كان الشاب الصغير هولدن كولفيلد, ذو الستة عشر ربيعاً, يقف فوق تل صغير, في جرستاون في ولاية بنسلفانيا, كان ذاك قبل إجازة رأس السنة بأيام قليلة, وكان الفصل الدراسي في نهايته, لكنه كان قد تلقى إشعاراً يفيد بطرده من المدرسة نظراً لرسوبه في أربع مواد من أصل الخمسة التي كان يدرسها.

يروي لنا الشاب الصغير قصة اليومين التاليين بعد تلقيه هذا الخطاب.هذه هي الرواية فقط. مجرد ثمانية وأربعين ساعة في حياة مراهق مطرود من المدرسة.

قد تبدو حبكة الرواية أبسط من اللازم, أو قد يبدو أن ليس هناك حبكة على الإطلاق, وهذا صحيح إلى حد ما؛ فقوة هذه الرواية ليست في حبكتها, قوتها في الحقيقة هي في طريقة سردها وحواراتها ومونولوقاتها الداخلية.

حقيقة أن طريقة تركيب الحوارات في هذه الرواية ثورية جداً؛ فعلى الرغم من أن الرواية كلها يرويها هولدن كولفيلد باستخدام ضمير المتكلم البسيط والمحدود القدرة, أو ما يعرف أدبياً بأسلوب ( الشخص الأول ) وعلى الرغم من أن الطريقة التي يسرد بها الرواية هي الطريقة التي يتحدثها معظم المراهقين أيضاً, بكل ما فيها من لعثمة, واضطراب, وسخرية, وتشتت, وبذاءة, وتكرار غير مقصود, إلا أن تأثير هذه الطريقة كان نافذاً وقوياً؛ فالسرد والحوارات طبيعية وعفوية وتلقائية لدرجة غير مسبوقة, لا يظهر فيها أي افتعال أو تصنُّع, ولن يشعر القارئ, ولو للحظة, أن الروائي حاول أن يوجِّه أياً منها إلى مكان ما, بل إنها كانت تبدو وكأنها أحاديث عادية مبعثرة تكتب نفسها بنفسها, وبالرغم من ذلك فقد كانت حوارات دقيقة وعميقة ومقصودة. حتى أنها في النهاية لم تقنع القارئ بطريقة تفكير هولدن كولفيلد فحسب, بل جعلته ينظر للعالم كله من خلالها. حقيقة أني أجزم أن هذا العمل هو أفضل عمل استخدم أسلوب ( ضمير المتكلم ) في السرد, ومن أفضل الأعمال من ناحية بناء الحوار, في الأدب الحديث.

إلى أي درجة قد تكون حياة البشر فاسدة؟ وإلى أي درجة حياتهم مزيفة؟ وهل بالإمكان تغيير ذلك؟ هولدن كولفيلد يقنّعك أن حياة البشر أكثر فساداً وأكثر زيفاً وأكثر صعوبة على التغيير مما تتصور. العالم في نظره مجرد إعلان تجاري مخادع, والناس لا يتعدون كونهم ممثلين رديئين فيه, ممثلون لا يرى فيهم سوى الضحالة والزيف والنفاق, ولا يفلت من رؤيته هذه سوى الأطفال؛ فالأطفال عنده هم الفئة الوحيدة الصادقة والبريئة, والمسألة لا تتجاوز كونها وقتاً وينفد, ليكبر بعدها الأطفال ويصيرون ممثلين رديئين آخرين.

عندما يقدِّم هولدن كولفيلد آراءه هذه, وعندما يصدر هذه الأحكام والتعميمات نجده يكرّ ويفرّ. فتارة تجده ساخطاً, وتارة ساخراً, وتارة بذيئاً, وتارة لا مبالياً. لكنه, في كل الأحوال, يشدّ القارئ, يقنعه, يخدّره, وفي النهاية يسيطر عليه, وعندما تصل الرواية إلى آخر كلمة, يكون القارئ قد صار ( حارس حقل شوفان ) أخر.

القضية الكبرى التي أثارتها هذه الرواية هي لغتها؛ فالرواية مكتوبة بلهجة سكان نيويورك العامية, وليس هذا فحسب, بل إن بطل الرواية شخص كثير السباب واللعن والشتم. هذه اللغة ربما تبدو, لأول وهلة, طريقة همجية وبذيئة في كتابة الرواية, لكنها, في الحقيقة, طريقة مميزة وواقعية في السرد وفي رسم شخصية بطل الرواية؛ فقد استطاعت هذه اللغة أن تعبِّر عن شحنة الغضب والغل عنده, ومن جهة أخرى, فإن غاية هولدن كولفيلد هي الهروب من الزيف, واللغة المتكلّفة الباذخة, بلا شك, هي تزييف كبير. على كل حال, يرى اللغويون هذا العمل كنزاً ثميناً؛ فهو يسجِّل, بشكل دقيق, المفردات, والتعابير, التي كانت رائجة بين المراهقين في نيويورك إبان الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي.
على الرغم من كل الغايات الأدبية لهذا الاستخدام اللغوي, إلا أن الضريبة كانت باهظة. فبحسب جمعية المكتبات الأمريكية, احتلت هذه الرواية المركز الثالث عشر في قائمة أكثر الروايات المحظورة في المدارس والمكتبات العامة, بل أنه في عام 1960 فُصل أحد المدرسين في ولاية أوكلاهوما لأنه قرّر هذه الرواية على طلابه.

أصبح هولدن كولفيلد رمزاً للتحدي والتمرَّد عند المراهقين. يقول عنه سالنجر – كاتب الرواية – إنه شخصية بسيطة جداً ومعقدة جداً؛ فعلى الرغم من أن هذه الشخص ممتلئ بالسخط, وعلى الرغم من أنه أحياناً يبدو وكأنه يتكلم بصوت عالٍ, إلا أن سخريته وحس دعابته كان هستيرياً, حتى أن من الصعوبة أن تجد صفحة واحدة في هذه الرواية لم يتحصل فيها هولدن كولفيلد على ضحكة عالية من القارئ, وفي الوقت نفسه فإن مشاعر هذه الشخص هشة جداً, وقدرته على الانفعال والتأثر وحساسيته مفرطة للغاية.

تقارن هذه الرواية على الدوام برواية ( مغامرة هوكليبري فين ) للأديب مارك توين؛ فكلتا الروايتان بطلها شاب صغير, وتستخدمان ضمير المتكلم في السرد, وتتقاربان في الموضوع والحبكة. بالإضافة إلى ذلك فإن كل من الروايتين ينقل جزء من تجربة روائيهما الحقيقية, لكن هولدن كولفيلد يتفوّق على هوكليبري فين راوياً بحكم الطريقة, والمفردات, التي جعله سالنجر يتحدث بها.

كاتب الرواية هو ( جيروم ديفيد سالنجر ), ورواية ( الحارس في حقل الشوفان ) هي روايته الوحيدة, وهي عمله الأشهر. فقد صدرت له عدة قصص قصيرة قبل هذه الرواية, وصدرت له بعدها ثلاث مجموعات قصصية قصيرة, وقصة واحدة. ظهرت شخصية هولدن كولفيلد, وبعض شخصيات هذه الرواية, أول مره, في عام 1945, في قصة قصيرة اسمها ( إنني مجنون ), ومره أخرى في عام 1946, في قصة اسمها ( تمرّد ماديسون الطفيف ), وقد شكَّلت هذه وقصص أخرى كتبها سالنجر في فترة الأربعينات أسس بعض فصول وشخصيات هذه الرواية.

ولد سالنجر, طفلاً ثانياً وأخيراً, في مدينة ( منهاتن ) بولاية ( نيويورك ) في عام 1919 لأم أيرلندية – اسكوتلنديه ولأب بولندي. وكانت عائلته ميسورة الحال, تخرَّج من أكاديمية عسكرية 1936, وفي العام التالي تعرَّف على فتاة تدعى ( أونا أونيل ) وأحبها, ولكنه صدم حين علم أنها تزوجت الممثل ( شارلي شابلن ), رغم فارق السن بينهما. يقول سالنجر في إحدى المقابلات الصحافية أن حياته الشخصية تشبه إلى حد كبير حياة هولدن كولفيلد.

لم يحرَّك سالنجر ساكناً تجاه نجاح روايته الساحق. بل إنه رفض أن تنشر صورته على غلافها. وعلى الرغم من ذلك تواصل اهتمام وسائل الإعلام به ومطاردتها له, حتى تعمَّد تقليل نشر أعمالة, ثم توقف في النهاية عن النشر, بل أصبح يصف النشر بأنه ( مقاطعة مزعجة ), وتطورت الأمور حتى انكفأ على نفسه, وابتعد عن الناس, وانعزل عن المجتمع تماماً, ولا يزال سالنجر حتى الآن في عزلته, وهو على أبواب التسعينات, في ولاية ( نيوهامبشير ), حتى أن مجلة ( التايم ) وضعت صورته على غلافها, في أحد أعداد عام 1961, تحت عنوان ( حياة من العزلة ).

في عام 1949 صدر فلم ( قلبي الغبي ) الذي اعتمد على قصة سالنجر القصيرة ( العم وينقلي في كونيكتيكت ) وقد حوِّرت هذه القصة في الفلم كثيراً. وقد كان هذا التحوير سبباً لرفض سالنجر القاطع لأي محاولة لنقل أي عمل أخر له للسينما, على الرغم من تلقيه عدة عروض من مخرجين ومنتجين كبار لتبنِّي أعماله.

في عام 2007 صدر فيلم عنوانه ( الفصل 27 ) عن حادثة اغتيال ( جون لينون ), وعنوان الفيلم يشير لرواية ( الحارس في حقل الشوفان ) التي تنتهي عند الفصل ( 26 ), وكأن هذا الفيلم تتمة للرواية, وفي عام 2008 أصدر أحد المخرجين أغرب فيلم يمكنك أن تسمع عنه في حياتك, الفلم هو عبارة عن شاشة زرقاء تظهر لمدة 75 دقيقة وست ثواني, لا أكثر من ذلك ولا أقل, وقد جعل عنوان هذا الفيلم ( الحارس في حقل الشوفان ).

نلاحظ في معظم أعمال سالنجر ازدراء ( هوليوود ) واعتبارها منارة للتزييف والخداع. ربما كان رأي سالنجر هذا, رغم تجربته السينمائية الوحيدة, سبباً لرفضه تحويل أعماله أفلاماً سينمائية, وربما يكون هذا الرفض, بل وحتى رأيه نفسه, لا يتعدى كونه ردة فعل بعد زواج الفتاة التي أحبها من الرمز السينمائي ( شارلي شابلن ) لكن بغض النظر عن هذا وذاك, فسالنجر قدَّم في هذه الرواية آراء سينمائية عميقة ورائعة, هذا بالرغم من أنها كلها كانت مغلفة بالتهكم والسخرية.

ترجمت هذه الرواية إلى كل اللغات الكبرى في العالم, وترجمها للعربية الروائي الأردني ( غالب هلسا ) – رحمه الله – منذ أكثر من ثلاثين عاماً, وأعادت دار ( المدى ) نشر العمل في 2007. المشكلة التي واجهت الأستاذ غالب هي أن الرواية مكتوبة باللهجة العامية, وعلى الرغم من ذلك فقد استطاع أن يقدِّم ترجمة مميزة لها. لكنه لو طعّم ترجمته ببعض الكلمات العامية, والتي قد تكون لها جذور فصيحة, فإنها سوف تكون أكثر تأثيراً في القارئ العربي.

( الحارس في حقل الشوفان ) بصمة أدبية مميزة بين الروايات. رواية جمالها في بساطة طرح أفكارها, وقوتها في قدرتها على إقناع قارئها بهذه الأفكار, وهي درس أدبي خاص في بناء الحوارات واستخدام اللغة في الرواية.

رواية: حاج كومبوستيلا – باولو كويلو

تنبيه:في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد.

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: حاج كومبوستيلا

عنوان الرواية الأصلي: O Pilgrimage

اسم الروائي: باولو كويلو

سنة النشر: 1987

دار الترجمة: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر

عدد الصفحات: 234 صفحة

للحصول على النسخة العربية من الرواية: ( أضغط هنا )

للحصول على النسخة الإنجليزية من الرواية: ( أضغط هنا )

***

غلاف الرواية:

***

عن الرواية:

رواية ( حاج كومبوستيلا ) هي ثالث عمل لباولو كويلو, والتي صدرت عام 1987؛ أي قبل عام واحد فقط من صدور أشهر رواياته ( الخيميائي ). عمله الأول كان ( أرشيف الجحيم ) وقد نفد ولم تُعد طباعته حتى الآن, والعمل الثاني له هو ( الدليل العملي للفامبيرية ) وقد سُحب لأنه بدا لكويلو أن العمل لم ينجح في إيصال رسالته.

تحتل رواية ( حاج كومبوستيلا ) مكانه مميّزه بين روايات كويلو؛ وذلك لأن من خلالها يستطيع القراء أن يفهموا باقي أعماله بشكل أفضل, هذه الرواية تقدّم لنا الفلسفة الأولية والأساسية التي ينظر من خلالها كويلو للحياة ككل؛ وتقدم لنا أيضاً الرحلة التي أسفرت عنها هذه الفلسفة الروحانية, البسيطة, الخلابة, والتي تجلّت بعد ذلك في كل رواياته؛ تلك الروايات التي بالمناسبة بيع منها أكثر من مئة مليون نسخة في مئة وخمسين دولة بستة وستين لغة. الشيء الآخر الذي يميّز هذه الرواية هو أنها تحمل قدراً حقيقياً من حياة كويلو كما لم تحمله أي رواية أخرى له؛ بل إنه في هذه الرواية هو شخصية الرواية الرئيسية.

في ليلة الثاني من يناير من عام 1986, وفوق قمم جبال ( سيرا دومار ) الموجودة في الجنوب الغربي للبرازيل بموازاة المحيط الأطلسي, تبدأ أحداث هذه الرواية.

فوق تلك الجبال كانت تجري طقوس ترقية كويلو إلى رتبة جديدة ضمن أخوية اسمها رام ( RAM ) والتي كان عضواً فيها منذ عشر سنوات. ورام – كما يقول كويلو عبر موقعه على الإنترنت – هي أخوية مسيحية أسُست عام 1942, غرضها الأساسي هو دراسة اللغة الرمزية للعالم, وأسمها هو اختصار لـ (regnum, agnus, mundi) وتعنى ( الصرامة, الحب, الرحمة ). في أخوية رام يكون لكل عضو سيف خاص برتبته, وتنصّ تعاليم الأخوية أنه أثناء طقوس ترقية أحد الأعضاء يجب أن يَدفن سيفه القديم, ومن ثم يُعطى السيف الجديد الخاص برتبته الجديدة.

أثناء مراسم ترقية كويلو, جثى على الأرض أمام الجميع ودفن سيفه القديم, ومن ثم رفع يده لمعلمه كي يستلم السيف الجديد, لكن ما أن لمس الغمد, حتى تقدم معلمه خطوة للأمام وداس أصابعه بقسوة وأبعد السيف عنه, وقال له أنه لا يستحق السيف الجديد ولن يستعيد السيف القديم؛ لأنه متعجرف, ويعتقد أن طريق الأخوية هي طريق لناس معيّنين مختارين, بينما هي طريق للجميع.

تنتهي المراسم بهذا الفشل الذريع لكويلو, وبعد نهايتها تجئ له زوجته, والتي كانت موجودة أثناء ذلك, وتقول له أن المعلم قال لها أنه سوف يخبئ السيف, الذي كان من المفروض أن يناله, على طريق قديم قروسطي في أسبانيا, وأن على كويلو أن يقطع هذا الطريق بحثا عنه, واسم هذا الطريق هو ( مار يعقوب ).

بعد سبعة أشهر, وبعد كثير من التردد, قرّر كويلو أن سوف يقطع طريق مار يعقوب بحثاً عن سيفه. يسافر بعدها من البرازيل لجنوب فرنسا, ويلتقي هناك ( بتروس ) وهو اسم مستعار لعضو آخر في جمعية رام, والذي يصير دليلاً ومرشداً لكويلو في هذا الطريق الذي يمتد من جنوب فرنسا وحتى شمال غرب أسبانيا بمسافة تتجاوز السبعمائة كيلو متر.

وتبدأ رحلة البحث عن السيف, وفي أثناء هذه الرحلة, يكتشف كويلو, من خلال الطريق الذي يعبره, ومن خلال مرشده بتروس, معاني جديدة رائعة وملهمة للحياة وللموت وللحب وللزواج وللورع وللامتثال وللجنون وللتواضع وللانتصار وللشجاعة .. وغيرها الكثير .. يكتشف باولو هذه المعاني بطريقة ذات تسلسل منطقي جذاب وكأن رحلة سفره ما هي إلا رحلة حياة مصغره؛ في هذه الرواية نرى كويلو, وعلى عكس باقي رواياته, يأخذ دور التلميذ.

يتعلّم كويلو أيضاً من خلال مرشده العديد من تمارين أخوية رام, وهي عبارة عن تمارين بسيطة ذات طابع تأملي, والغاية من هذه التمارين هي تعزيز قوة حدس المتدرب. يقول المرشد بتروس عن هذه التمارين بأنها بسيطة لدرجة أن الناس الذين ألفوا تعقيد الحياة لن يولوها اهتماماً. وقد وصف باولو هذه التمارين بالتفصيل في هذه الرواية, وسوف يجد القارئ أن بعض هذه التمارين جدير بالممارسة فعلاً.

فلسفة كويلو, وفلسفة هذا العمل, تنصّ على أن كل ما هو خارق واستثنائي موجود في طريق الناس العاديين؛ لا فائدة من أن يبحث أحدهم عن أسرار لا يعرفها الباقين, أو أن يدعي أنه ينتمي لنخبة المجتمع, أو يتظاهر أنه يمثّل الطبقة المثقفة دون الدهماء, أو أن يحاول أن يتقمّص دور الصفي أو النبيل أو الخاص؛ لأن ما نعتقد أننا نملكه وحدنا لا قيمة له ما لم نتقاسمه مع سائر البشر.

لفلسفة هذا العمل انعكاس واضح جداً على سائر أعمال كويلو؛ فتجد أن أبطال قصصه هم الناس البسطاء, فتارة تجد راعي غنم, وتارة تجد نادلة في حانة, وتارة تجد عاهرة, وتارة تجد فتاة من دولة شرق أوروبية مغمورة لا شيء مميز فيها سوى أنها حاولت أن تنتحر. أيضاً كان لهذه الفلسفة أثر في طريقة كتابة كويلو نفسها, فتجد أن حبكات رواياته سلسه, وأفكاره واضحة, وتعابيره سهله, وكلماته بسيطة.

يعتقد الكثير من القراء أن كويلو كرّر نفسه في كل من رواية ( حاج كومبوستيلا ) ورواية ( الخيميائي )؛ نظراً لأن كلتاهما تدوران حول البحث والسفر, بالإضافة إلى أن أسبانيا شكلت مسرحاً مهماً لكل من الروايتين. في الحقيقة إن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ لأن ( الخيميائي ) رواية عن ( الوجهة ) أو الهدف, بينما ( حاج كومبوستيلا ) رواية عن ( الطريق ) نفسه. في الخيميائي كان هدف الراعي – كنزه – هو الذي يعلّمه, بينما في حاج كومبوستيلا كان الطريق الذي يسلكه كويلو للحصول على سيفه – بالإضافة لمرشده – هو الذي يعلّمه.

بالنسبة للطريق الذي سلكه كويلو في هذه الرواية, طريق ( مار يعقوب ) فهو أحد طرق الحج الرئيسية في المسيحية, وليس لهذا الطريق مسلك واحد محدد, ولكن له عدة مسارات تنتهي كلها عند قبر ( القديس جيمس ) والذي يُعتقد بوجوده عند كاتدرائية اسمها ( سانتياغو دي كومبوستيلا ) الموجودة في محافظة اسبانية اسمها أيضاً ( سانتياغو دي كومبوستيلا ) وهي عاصمة منطقة ( جليقة ) الموجودة في الشمال الغربي من الجزيرة الأيبيرية, وقد عرفت هذه المحافظة في التاريخ الإسلامي بـ ( شانت ياقب ).

طريق ( مار يعقوب ) يعرف أيضا باسم ( طريق المجرة ) لأن الحجاج كانوا يستدلّون بالنجوم أثناء عبوره, وعند الأسبان يعرف هذا الطريق باسم طريق ( سانتياغو ), واسم سانتياغو في الاسبانية ينقسم لقسمين, الأول هو ( سان ), ويعني ( قديس ), والثاني هو ( ياغو ) أو ( دياغو ), وهو الاسم المقابل للاسم العبري ( يعقوب ), وليعقوب في الانجليزية عدة أسماء تقابله منها ( جيمس ) ومنها أيضا ( جاك ) و( جيكوب) و( جيم ).

بالنسبة لكلمة ( كومبوستيلا ) فهي كلمة ذات أصل لاتيني, وتعني ( حقل النجمة ), وسبب هذه التسمية الغريبة هو أنه بعدما قُتل القديس جيمس, دُفن في مكان ما من اسبانيا, وظل هذا المكان مجهولاً حتى رأى احد الرعيان – كما يُقال – نجمة تسقط في احد الحقول لتدله على مكان دفن القديس, ليٌبنى فوق ذلك الحقل الكنيسة التي تعرف الآن باسم كنيسة ( سانتياغو دي كومبوستيلا ), وتنشأ المدينة المعروفة الآن بـ ( سانتياغو دي كومبوستيلا) أي ( حقل نجمة القديس جيمس ).

هذه المعالم المسيحية الموجودة في الرواية, توهم بعض القراء أن الرواية تبشيرية, لكن الحقيقة أن هذا غير صحيح؛ الفكرة من عبور طريق مار ( يعقوب ) هي عبور طريق يسلكه آلاف الناس عبر مئات السنين, أي طريق عادي, طريق ليس لفئة معينة أو لعلية قوم؛ الفكرة ليست دينية البتة.

كان لهذه الرحلة تأثير قوي جداً على كويلو, بل إنها تعتبر منعطفاً هاماً – أو ربما الأهم – في حياته, حتى إنه إذا سؤل: “من أنت؟” يجيب: “أنا حاج”. ويقول أيضا: “الحياة ذاتها عبارة عن رحلة حج، إذ إن كل يوم يختلف عن الآخر، وبإمكانك أن تحظى بلحظة ساحرة يومياً، غير أننا لا نرى الفرص السانحة لنا … كلنا في حالة من السفر والحج، شئنا أم أبينا ذلك. والغاية، أو السانتياغو الحقيقي، هو الموت”.

في عام 2006, وكاحتفال بمرور عشرين عاماً على صدور رواية ( حاج كومبوستيلا ) قرّر كويلو أن يقوم بقطع طريق ( مار يعقوب ) مرة أخرى, وقد أنشاء مدوّنة على الإنترنت لينقل هذه التجربة للقراء أثناء حدوثها ( أضغط هنا لزيارتها ).

النسخة العربية, الصادرة من شركة المطبوعات للتوزيع والنشر, ذات ترجمة رائعة, أتقدم هنا بالشكر الجزيل للأستاذة ( ماريا طوق ) لهذه الترجمة المميزة. أتمنى فقط من شركة المطبوعات للتوزيع والنشر أن تضيف فهرس لفصول هذه الرواية كما هو موجود في النسخة الإنجليزية.

***

مراجعات اخرى لنفس الروائي:

1 – الخيميائي

***

أعمال أخرى مترجمة للعربية لنفس الروائي:

1 – ساحرة بورتوبيللو

2 – الزهير

3 – فيرونيكا تقرر أن تموت

4 – الشيطان والآنسة بريم

5 – الخيمائي

رواية: مزرعة الحيوان – جورج أورويل

تنبيه: في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: مزرعة الحيوان

عنوان الرواية الأصلي: Animal Farm

اسم الروائي: جورج أورويل

سنة النشر: 1945

دار الترجمة: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

اسم المترجم: محمد العريمي

عدد الصفحات: 185 صفحة ( من الحجم الصغير )

المكتبة التي اشتريتها منه: مكتبة الكتاب

السعر: 24 ريال سعودي

***

الغلاف:

 

***

عن الرواية:

في إحدى مزارع إنجلترا, وبعد نوم صاحب المزارعة, جمَع الخنزير العجوز “ميجر” كل حيوانات المزرعة في الحظيرة, ليخطب فيهم ويقول لهم أن بؤسهم وشقاءهم وتعاستهم سببها الإنسان, وألا سبيل لهم للسعادة إلا بالثورة عليه, والتخلص منه.

بعد هذه الخطبة بثلاث أيام توفي “ميجر”, ليقوم ثلاث من الخنازير ( “سنوبول” و”نابولين” و”سكويلر”) بتوسيع مضامين خطاب “ميجر”, وتحويله لنظام فكري متكامل أسموه ( الحيوانية – Animalism ), وبدءوا بنشره وتدريسه لبقية حيوانات المزرعة.

وفي أحد الأيام, ثمل صاحب المزرعة, ونسي أن يطعم الحيوانات, مما سبّب لها حالة من الهيجان والفوضى, والذي كان سبباً لاشتعال ثورة الحيوانات, والتي تكلّلت بطرد صاحب المزرعة منها.

كان أول قرار يتم اتخاذه, بعد انتصار ثورة الحيوانات, هو تغيير اسم المزرعة لـ ( مزرعة الحيوان ), وحتى تفهم جميع الحيوانات مذهب “الحيوانية”, قامت الخنازير الثلاثة بتبسيط تعاليم المذهب على هيئة سبع وصايا قصيرة وواضحة, ثم قاموا بكتابتها بخط كبير على جدار الحظيرة.

بعد ذلك أصبح “سنوبول” و”نابولين” بمثابة العقول القيادية المدبّرة في “مزرعة الحيوان”, بينما صار “سكويلر” هو المتحدث الرسمي باسم هذا الجهاز القيادي, لكن للآسف, “سنوبول” و”نابولين” لا يتفقان على شيء إطلاقاً, وفي نفس الوقت “سكويلر” متحدث خبيث يستطيع – كما تصفه الرواية – أن يقنعك أن الأسود أبيضاً.

ومن هنا تبدأ الرواية؛ فنرى استبداد أنظمة الحكم الشمولية .. كاريزمات القادة النافذة .. اختلاس الثروات العامة .. الانقلابات العسكرية .. الشعارات المخدرة .. والأهم من هذا كله؛ نرى تسيّس الإعلام, وتحويله لأداة للسيطرة على العقول وخداع الجماهير؛ عن طريق عكس الحقائق, وتضليل الوقائع, بل والتلاعب بالأيدلوجيات وتحريفها.

في الحقيقة نستطيع أن نلخص رسالة الرواية كالتالي: ( الجهاز الإعلامي لا بد أن ينحاز للحكومة في حال إدارتها له ).

بالرغم من أن تضمينات الرواية مفزعة جداً, إلا أن استخدام الحيوانات كتشبيه هجائي, وحيونة – إن صحت التسمية – الشعارات والأناشيد والمذاهب, جعل قالب العمل ظريفاً وكوميدياً.

صدرت رواية “مزرعة الحيوان” في عام 1945 للأديب “جورج أورويل”, وقد كتبها أثناء الحرب العالمية الثانية, تحت تأثير تجربته في الحرب الأهلية الأسبانية.

اختارت مجلة “التايم” هذه الرواية كواحدة من أفضل مئة رواية إنجليزية صدرت بين عامي ( 1923 – 2005 ), وفي تصنيف صدر من دار النشر الأمريكية العريقة Random House, صنّفها النقاد في المرتبة 32 من 100 على مستوى روايات القرن العشرين,وفي تصنيف أخر لنفس الدار, تم بناء على رأي الجمهور, تم تصنيفها في المرتبة 21.

بالرغم من أن هذه الرواية قائمة بحد ذاتها, إلا أننا لا نستطيع أن نتجاوز التشابه الكبير بين شخصيات الرواية وبعض الشخصيات الحقيقية, في الحقيقة يبدو التشابه مقصوداً جداً, ولا يظهر أن هناك أي نوع من محاولة المواربة أو التمويه؛ فمن الواضح أن الرواية كلها عبارة عن قصة ( الثورة البلشفية ), والخنزير العجوز “ميجر” بمثابة “كارل ماركس”, ويتضح – بجلاء – من أحداث الرواية أن الخنزير “نابليون” يقصد به “ستالين”, والخنزير “سنوبول” هو “تروتسكي”, والخنزير “سكويلر” يمثّل قطاع الإعلام, وبالأخص صحيفة “برافدا” إبان فترة “ستالين” والتي استخدمها لتضليل الجماهير, وحتى مالك “مزرعة الحيوان” الأصلي يشبه القيصر الروسي “نيكولاس الثاني”, وسوف تجد في الرواية شخصيات تمثّل كل من الطبقة الكادحة, والمتوسطة, والمخملية, والمثقفة في الاتحاد السوفيتي حينذاك, أيضاً كان هناك شخصية يقصد بها الكنيسة الأرثوذكسية الروسية, وأخرى يقصد بها أجهزة الـ KGB والـ NKVD, بل إن هناك شخصية ترمز للروائي نفسه, وهذا كله ليس تصيداً, بقدر ما هو إسقاط واضح بجلاء, بل إنه يُظهر نفسه بنفسه. وبالرغم من كل هذا تستطيع أن تقرأ الرواية ولا تشغل نفسك بهذه التشابهات, وسوف تجد أنها ممتعة ومؤثرة جداً.

صدرت رواية “مزرعة الحيوان” كفيلم كرتوني في عام 1954, وصدرت كفيلم سينمائي في عام 1999, وفي عام 2002 ظهرت رواية بعنوان “فرصة سنوبول”, لأديب اسمه “جون ريد”, حاول فيها أن يكتب تتمة لرواية “مزرعة الحيوان”.

رواية قصيرة وبسيطة, لكنها جديرة بالقراءة والتأمل مطولاً, وفي النهاية لا يسعني إلا أن أقدم الشكر للأستاذ “محمد العريمي” لترجمته الرائعة لها.

***

أعمال أخرى لنفس المؤلف:

1 – 1984

2 – متشرداً في باريس ولندن

3 – تحيّة إلى كاتلونيا

4 – أيام بورمية