كتاب: نقطة التحول – مالكوم غلادويل

 

 

 

طوال تاريخ الشرق الأوسط الحديث لم تشهد المنطقة أي ثورة حقيقية, لم يكن هناك سوى مظاهرات نادرة مبعثرة هنا وهناك. وفجاءة, ومن دون سابق إنذار, تندلع الثورات الواحدة تلو الأخرى في أرجاء المنطقة .. تونس .. مصر .. اليمن .. البحرين .. ليبيا .. المغرب .. والقادم مذهل أكثر.

ليس من الصعوبة بمكان أن نحلل سبب نشوء كل ثورة من هذه الثورات على حدة, لكن الشيء الذي يستعصي على الفهم هو سبب حدوث كل هذه الثورات في هذه الفترة القصيرة ( حوالي خمسين يوماً ). ما لذي دفع بعجلة الثورة لأن تتدحرج بهذه السرعة الرهيبة من دولة لأخرى؟ هذا السؤال, في وجهة نظري, جوهري جداَ, ويستحق التأمل والتفكير مطولاً. إذا عرفنا السر, ما لذي يمنعنا من إعادة استخدام الوصفة لإستحداث ثورات جديدة على امتداد الوطن العربي؟ إن الشعوب العربية التي انقلبت على انظمتها السياسية المستبدة ما يزال أمامها طريق طويل, وما تزال بحاجة لأن تقوم بثورات أخرى لإصلاح التعليم, لإصلاح القضاء, لإصلاح القطاع الصحي, لإصلاح القيم الاجتماعية البالية, وغيرها, كي تصل للمكانة التي تبغيها لنفسها. يوم من الأيام, بعد أن تهدأ الثورات في الوطن العربي, سوف تجد الشعوب العربية نفسها أمام تحديات جديدة تستلزم تغييرات جذرية, وحينها سوف يكون السؤال الذي يتداوله الجميع: كيف نفعلها مرة ثانية؟

كتاب ( نقطة التحول ) للكاتب الكندي ( مالكوم غلادويل ) كتاب بعيد كل البعد عن المجال السياسي, لكنه يقدم ثلاث قوانين لتفسير التغيرات التي تنتشر في أي مجتمع بشكل مفاجئ وسريع. هذه القوانين مرنة جداً, تستطيع استخدامها كي تحلل سبب انتشار الثورات العربية, كما تستطيع أن تستعملها لتفسير نجاح تقنيات معينة مثل الآي باد وفشل تقنيات أخرى مثل قوقل ويف, تستطيع استخدامها لفهم أسباب انخفاض أو ارتفاع معدلات الجريمة, تحليل نجاح الكتب والروايات الأكثر مبيعاً, شيوع موضة معينة, بل إنك تستطيع أن تستخدمها لفهم سبب الإقبال غير العادي للشعب السعودي على شراب ( الفيمتو ) في رمضان.

قبل أن نستعرض هذه القوانين الثلاثة, لنبدء بسؤال يطرح نفسه حول عنوان الكتاب: ما هي نقطة التحول؟ أي تغيير يحدث في المجتمع يحدث عادة بشكل تدريجي وعلى فترة طويلة من الزمن. على سبيل المثال, في فترة ليست بعيدة في السعودية كان منظر الشخص الذي يربط حزام الأمان مثير للاستغراب ( وربما للضحك أحياناً ), وإن لم تخني الذاكرة بدأت الجهود تتركز على التوعية بحزام الأمان في عام 2000, ومنذ ذلك الحين ونحن نشهد زيادة طفيفة سنوياً في أعداد من يلتزمون بربط حزام الأمان. هذا هو التحول الطبيعي؛ تحول يحدث بشكل تدريجي وعلى فترة طويلة من الزمن. لكن من جهة أخرى, هناك تحولات اجتماعية تحدث في غضون فترة قصيرة جداً, وبشكل غير متوقع, مثل الثورات العربية الراهنة. لحظة الغليان التي تنقلب فيها الأمور رأساً على عقب فجاءة ومن دون أي سابق أنذار لتنتشر ظاهرة أو سلوك غير متوقع في المجتمع انتشار النار في الهشيم, هي اللحظة التي يسميها مالكوم غلادويل ( نقطة التحول ).

مصطلح نقطة التحول ( The Tipping Point ) هو أساساً مصطلح يستخدمه علماء الأوبئة لوصف اللحظة الحرجة التي ينفجر فيها الوباء بشكل شنيع في المجتمع. عندما كان غلادويل يعمل كمراسل لصالح ( واشنطن بوست ) أسندت له مهمة تغطية انتشار وباء الإيدز, ومع احتكاكه بعلماء الأوبئة بدأ يذهل من الطريقة الغير مألوفه, والمخيفه, والتي يصعب التنبؤ بها لإنتشار الأوبئة. في عام 1982 حدثت نقطة تحول شنيعة لوباء الأيدز, فقد انتقل من كونه وباء يعاني منه أفراد قلة, لكونه وباء عالمي. هذه الحادثة, وهذا الوصف لها, جعل غلادويل يطرح فكرة أن لكل شيء, وليس فقط الأوبئة, نقطة تحول. ما لذي يمنع, تساءل غلادويل, من أن يكون للأعمال التجارية, الموضة, الأفكار, التيارات, المنتجات, الإعلانات, نقطة تحول أيضاً؟

الفكرة الأساسية التي يبني عليها غلادويل قوانينه الثلاثة لحدوث ( نقطة التحول ) هي في أن نتصور أفكار وسلوكيات المجتمع كأوبئة, ومثل الأوبئة, هذه الأفكار والسلوكيات لها خاصية الانتقال والعدوى. لذلك, يسمي غلادويل قوانينه ( القوانين الثلاثة للأوبئة ). دعونا الآن نتسعرض هذه القوانين.

القانون الأول لإنتقال الفكرة أو السلوك في المجتمع اسمه ( قانون الأقلية ). ينص القانون الأول أن هناك أشخاص قليلون جداً في المجتمع بإمكانهم نقل العدوى ( الفكرة أو السلوك أو الرسالة ) أفضل من غيرهم. هناك ثلاث ملكات اجتماعية اذا امتلكها الشخص صار موصلاً فعالاً للعدوى, وهي: القدرة على الاقناع, القدرة على تكوين صلات اجتماعية, والقدرة على جمع المعلومات.

القانون الثاني هو ( قانون عامل الإلتصاق ): محتوى الرسالة وطريقة عرضها تلعب دوراً أساسياً في انتشارها. من السهولة إيصال رسالتك للجماهير, لكن كيف تجعلهم يتذكرونها؟ كيف تجعلها ترسخ في أذهانهم؟ كيف تجعلهم يؤمنون بها؟ هذا هو التحدي الحقيقي, وهذا هو لب القانون الثاني.

القانون الثالث هو ( قانون قوة السياق ): ينص على أن الظروف والأحوال المحيطة بالعدوى تلعب دوراً مهماً في انتشارها. حتى نستطيع أن نتصور كيف تعمل هذه القوانين الثلاثه, من الأفضل أن نربطها بالشكل التالي: القانون الأول هو قانون عن الشخص الذي ينقل الرسالة ( العدوى ) والقانون الثاني عن الرسالة نفسها, والقانون الثالث عن الظروف المحيطة بها.

باستخدام هذه القوانين الثلاثة تستطيع أن تعيد النظر لتحلل الأفكار, والسلوكيات, والرسائل الذائعة في المجتمع لتفهم سبب ذيوعها, بل إنك تستطيع أن تستخدمها عن عمد لنشر أفكار معينة. في الطبعات اللاحقة من الكتاب, قام غلادويل بإلحاق فصل في أخر الكتاب اسمه ( دروس من العالم الحقيقي ) في هذا الفصل نشر غلادويل بعض محاولات القراء لتنفيذ نقاط تحول في بيئتهم ومجال أعمالهم.

حقيقة أني, وبكل صراحة, أعتبر نفسي قد ظلمت كتاب ( نقطة التحول ) أشد الظلم حتى الآن. غلادويل ينال على المحاضرة الواحدة التي يلقيها أربعين ألف دولار, وقد باع من هذا الكتاب أكثر من مليونين نسخة حتى عام 2006, قبل أن تعود مبيعات للترتفع مرة أخرى بعض صدور كتابه التالي. صدقني, هذا الانتشار الغير عادي لم يكن لأن الناس تريد ان تعرف سبب انتشار السلوكيات والأفكار في المجتمع ( رغم أن هذا شيء مثير ) .. هناك أسباب مغايرة لشعبية غلادويل الجارفة.

أسلوب غلادويل في الكتابة هو أسلوب من عالم أخر. غلادويل يؤسس فكرة الكتاب في البداية, ثم ينطلق بعد ذلك بسرد قصص قصيرة وأبحاث علمية متتالية عن اشياء غير مترابطة إطلاقاً ( في أحد الفصول تجده يتحدث عن برنامج الأطفال الشهير شارع السمسم والفصل التالي تجده يتحدث عن الثورة الأمريكية ) لكنك تجده في النهاية, وبشكل مدهش وعاصف للعقل, يجر حبلاً سحريا من مكان مجهول لتترابط كل هذه القصص لتدعم وتؤكد فكرة الكتاب الأساسية. إن أسلوبه في السرد لهو إعجازي بكل معنى الكلمة. إن كل من وجّه إنتقادات حاده لكتبه (بمن فيهم العالم والمؤلف الشهير ستيفن بانكر) لم يستطع ألا أن يعلن إنبهاره بهذا الأسلوب الساحر في الكتابة.

إنني أتحداك الأن أن تفتح هذا الكتاب ( أو أي كتاب أخر له ) وأن تشير لسطر واحد ( فقط سطر واحد ) وتقول هذا سطر ممل. هذا الرجل باستطاعته ان يجعلك أن تنهي كتابه في جلسة واحدة من دون أن تشعر بوجودك. في الكوميديا هناك ما يعرف بسطر الخبطة (Punch Line) وهو عبارة عن الجملة التي تأتي في نهاية النكتة أو القصة كي تفاجأ الجمهور وتضحكهم ( وكأنها خبطة على رؤسهم ). كل قصة من قصص غلادويل تنتهي بسطر خبطة هستيري على رؤوس القراء؛ إما تحليل أو استنتاج أو إعادة تشكيل للقصة أو إبراز لعنصر خفي يتم بطريقة لا استطيع ان اصفها الا بأنها طريقة ( غلادويلية ). حتى لو كنت تعرف القصة التي يقصها, سوف تتفاجئ بانها يعيد صياغتها بشكل درامي ليجعل منها ملحمة تنتهي بنهاية واستنتاج غير قابل للتوقع ولو بعد مئة عام.

كتب غلادويل تستعصي حتى على التصنيف, في كل مره ازور مكتبة جديدة أجد تصنيف جديد لكتب غلادويل. أحيانا أجدها في قسم (الأعمال) وأحيانا في (علم النفس) واحياناً في (تطوير الذات). بالنسبة لي, أفضل تصنيف وجدته لكتب غلادويل هو, كما يقترح هو نفسه في موقعه, مغامرات فكرية. كتبه تتحدى الحكمة التقليدية, وتفتش في الخفايا والدقائق الماكرة, وتعتبر كل شيء ( موضة, برامج اطفال, رياضة, أبحاث علمية, جرائم .. كل شيء ) مادة خصبة للتفكير والتأمل والكتابة, تعالج القضايا بطريقة جريئة جداً, بل إنها تتطرق لقضايا غير مألوفة.

غلادويل هو من أصل كندي, ولد في إنجلترا عام 1963, ويعيش حاليا في نيويورك, ويكتب منذ عام 1996 في مجلة نيويوركر. نشئت فكرة الكتاب في البداية كمقال قدمه للمجلة, والذي تم على أثره قبوله ككاتب فيها. استلم مبلغ مليون دولار مقدما لنشر كتابه, وتم نشره في عام 2000, لكن مبيعات الكتاب فاقت أشد توقعات غلادويل جموحاً, وربما وجد بعض العزاء لاحقاً في الطلب الساحق عليه لإلقاء محاضرات نظير مبالغ ضخمه. من المثير للإنتباه ان هذا الكتاب أدخل الكثير من المفردات للغة الإنجليزية وجعلها مفردات متداولة حتى بين من لم يقراءه, مثل: The Tipping Point, The Law of The Few, Mavens وغيرها.

في عام 2005 ضمت مجلة التايم غلادويل ضمن قائمة أكثر 100 شخص تأثير, وفي عام 2006 قدم محاضرة رائعة في مؤتمر تيد بعنوان ( صلصة السباغيتي ), وفي عام 2007 نال جائزة من من منظمة علم الاجتماع الأمريكية للتميز في تقديم القضايا الإجتماعية, وفي نفس العام نال مرتبة الشرف من جامعة واترلو.

الترجمة العربية للكتاب صدرت من ( الدار العربية للعلوم ) وتقييمي لها بأنها ترجمة ( قابلة للقراءة ) لكن هناك ( كالعادة ) أخطاء في الترجمة لا يقع فيها طالب إعدادية تجعل من بعض السطور مربكة وصعبة الفهم. مشكلة الترجمة في العالم العربي, في تصوري كقارئ, انها تتبع نظام ( ترجم وانشر ) من دون وجود أي مرحلة للتنقيح أو مراجعة الترجمة. على كل حال, بإمكانك فهم النص الأصلي من خلال الترجمة مع وجود حاجة لسد بعض الحفر والثغرات في الترجمة.

تمنياتي لكم بقراءة ممتعة

كتاب: يوم الساعة أو النهاية الحتمية – محمد أحمد سعادة

بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب: يوم الساعة أو النهاية الحتمية

اسم الكاتب: محمد أحمد سعادة

دار النشر: الانتشار العربي

عدد الصفحات: ٢٨٤ صفحة

السعر: ٣٤ ريال سعودي

المكان الذي اشتريته منه: مكتبة الكتاب ( التراثية سابقاً )

***

الغلاف: 

***

عن الكتاب:

هل سبق وأن فكرت في الطريقة العلمية لحدوث يوم القيامة؟, كل هذه الأهوال المذكورة في القرآن كيف سوف تحدث؟, نحن نعرف أن كل شيء في عالمنا له سبب, فما لذي سوف يُسبب يوم القيامة؟, وعندما يحدث كيف يحدث؟, لا بد أن هناك شيء ما سوف يحدث لكي ينهار هذا العالم, ما هو؟, متى؟, كيف؟, والسؤال الأهم: هل نستطيع أن نعرف ذلك؟.

في هذا الكتاب يرسم الأستاذ محمد أحمد سعادة سيناريو راديكالي جداً لأحداث يوم الساعة, يرسم هذا السيناريو من خلال دمج العلوم الطبيعية بالآيات القرآنية, ففي البداية هو يفرّق بين يوم القيامة ويوم الساعة, هما ليسا يوم واحد كما هو شائع – في وجهة نظره – فهو يقول أن يوم الساعة هو اليوم الذي يتم فيه تدمير الأرض والنظام الشمسي, ويوم القيامة هو اليوم الذي يتم فيه الحساب, وهنا هو يؤكد – وهي نظرة ليست جديدة – أن يوم الساعة لا يشمل الكون كله, فقط النظام الشمسي.

حقيقة أن السيناريو الذي رسمه الأستاذ أحمد – استشفافاً من القرآن – مقنع وعلمي وأنيق جداً, حتى وإن كانت غايته تدميرية, فمن خلال الآيات القرآنية يصل إلى أن كل شيء سوف يكون على ما يرام حتى يصطدم جرم سماوي بالقمر, حينها فقط تتوالى أحداث يوم الساعة – وليس يوم القيامة – وبكل دقة تتم الأحداث الواحدة تلو الأخرى, كل حدث يسبب الذي يليه, وكأنها قطع دومينو, حتى يعم الدمار الأرض, وهو ينتقل مع القارئ حدثاً بحدث, يفسر كل واحد منها, ويذكر الطريقة التي حدث بها, وكيف نجم من الحدث السابق, وسوف ترى حين قراءتك لهذا الكتاب, وبطريقة علمية, أن كل الأهوال التي ذُكرت في القرآن عن يوم الساعة سببها دكة القمر. تفجير البحار وتسجيرها, الزلازل, بس الجبال, جمع الشمس والقمر, انتثار الكواكب, دك الأرض, حمل الأرض, مد الأرض, إلقاء الأرض لما فيها وتخليها, الرجف, الرج, الردف, وغيرها الكثير, كلها سببها دكة القمر, وكأن القمر هو فتيل يوم الساعة.

الرائع في هذا الكتاب, هو ذكره للمعلومات العلمية اللازمة لفهم الموضوع, فمثلا قبل الحديث عن زلازل يوم الساعة, فهو يفرد صفحتين للحديث عن الزلازل, حتى تستطيع فهم عظم الأمر وتخيله, وإن كان يعاب على أسلوب الكتاب طريقة التبسيط أحياناً, فهو أحيانا يستخدم مصطلح, ثم بعد عدة صفحات يقوم بشرحه, مثل ما حدث في مصطلح ( حركة الأرض البدارية ), وأحيانا قليلة لا يشرح المصطلح المستخدم, مثل ما حدث في مصطلح ( الأرضفيزيائية ).

أيضا هناك ثلاث مواضيع في الكتاب مثيرة للجدل, الأول وهو نفيه لقصة معجزة شق القمر المشهورة, والثاني هو محاولة إثباته أن العلم بتاريخ يوم الساعة سوف يجليه الله في وقت ما –  وقبل حدوثه – لنا, والثالث, وهو أكثرها جدلية, هو محاولته لتحديد موعد يوم الساعة, بالسنة, والشهر, واليوم, والساعة, والدقيقة, وفي الحقيقة أن الأدلة التي ساقها, في حديثه عن هذه المواضيع الثلاثة, فيها جزء كبير مقنع, وفيها جزء غير ذلك, وسوف أترك لك الحكم عليها من دون ذكر أمثلة.

الكتاب جدا رائع فهو ديني, علمي, ثوري, منطقي, وأنيق, وقبل كل هذا هو مخيف جداً, وبعد هذا الكتاب لن تقرأ الآيات القرآنية المتعلقة بيوم الساعة كما كنت تقرأها قبل, لأنك أثناء قراءتها سوف تمر أمامك هذه الصور المرعبة بكل وضوح وجلاء ومنطقية, تمر أمامك وأنت تفهم كيف تحدث كل واحدة منها, أنه شيء مرعب, مرعب للغاية, لكن يجب أن تعرفه, إنها الحقيقة التي لا مفر منها.

***

كتب قريبة من هذا الموضوع:

١ – القيامة بين العلم والقرأن – داوود السعدي

٢ – الدقائق الثلاث الاخيرة – بول ديفز