رواية: الحارس في حقل الشوفان – سالنجر

تنبيه: في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد.

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: الحارس في حقل الشوفان

عنوان الرواية الأصلي: The Catcher In The Rye

اسم الروائي: جيروم ديفيد سالنجر

سنة النشر: 1951

دار الترجمة: دار المدى

للحصول على الرواية باللغة العربية:

أضغط هنا

للحصول على الرواية باللغة الإنجليزية:

أضغط هنا

***

غلاف الرواية:

***

عن الرواية:

عندما اتجه الشاب الصغير, في الحادثة الشهيرة, نحو عضو فرقة البيتلز جون لينون, وأطلق عليه خمسة رصاصات من الخلف, كان حينئذ يحمل في يده الأخرى نسخة من رواية ( الحارس في حقل الشوفان ), وعندما خر لينون صريعاً, جلس الشاب, في مسرح الجريمة, يعيد قراءة الرواية في انتظار الشرطة. ولاحقاً أثناء محاكمته, كان يرفع الرواية ويقول:”هذه هي حجّتي”. وبعد عام واحد فقط, حاول شاب أخر أن يغتال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان, وقد وجد في الغرفة التي كان يسكنها نسخة من رواية ( الحارس في حقل الشوفان ).

( الحارس في حقل الشوفان ) عنوان وردي حالم لرواية غاضبة وثائرة على كل الزيف والخداع الذي يختلقه ويعيشه ويتنفسه البشر. صنّفت مجلة ( التايم ) هذه الرواية واحدة من أهم مئة رواية صدرت بالإنجليزية في القرن الماضي, وبالرغم من أنها صدرت في عام 1951 إلا أنها لا تزال, حتى الآن, تبيع سنوياً ما يقارب ربع مليون نسخة حول العالم, وقد تجاوز عدد النسخ المبيعة منها حتى الآن 65 مليون نسخة, بل إنه بعد شهرين فقط من صدورها أعيدت طباعتها ثماني مرات.

تصنَّف هذه الرواية في صنف ( الرواية التكوينية – Bildungsroman ) أي الرواية التي ينتقل فيها البطل من حالة الضياع والفوضى إلى حالة الاستقرار والنضج.

تبدأ أحداث هذه الرواية في أواخر عام 1950, حيث كان الشاب الصغير هولدن كولفيلد, ذو الستة عشر ربيعاً, يقف فوق تل صغير, في جرستاون في ولاية بنسلفانيا, كان ذاك قبل إجازة رأس السنة بأيام قليلة, وكان الفصل الدراسي في نهايته, لكنه كان قد تلقى إشعاراً يفيد بطرده من المدرسة نظراً لرسوبه في أربع مواد من أصل الخمسة التي كان يدرسها.

يروي لنا الشاب الصغير قصة اليومين التاليين بعد تلقيه هذا الخطاب.هذه هي الرواية فقط. مجرد ثمانية وأربعين ساعة في حياة مراهق مطرود من المدرسة.

قد تبدو حبكة الرواية أبسط من اللازم, أو قد يبدو أن ليس هناك حبكة على الإطلاق, وهذا صحيح إلى حد ما؛ فقوة هذه الرواية ليست في حبكتها, قوتها في الحقيقة هي في طريقة سردها وحواراتها ومونولوقاتها الداخلية.

حقيقة أن طريقة تركيب الحوارات في هذه الرواية ثورية جداً؛ فعلى الرغم من أن الرواية كلها يرويها هولدن كولفيلد باستخدام ضمير المتكلم البسيط والمحدود القدرة, أو ما يعرف أدبياً بأسلوب ( الشخص الأول ) وعلى الرغم من أن الطريقة التي يسرد بها الرواية هي الطريقة التي يتحدثها معظم المراهقين أيضاً, بكل ما فيها من لعثمة, واضطراب, وسخرية, وتشتت, وبذاءة, وتكرار غير مقصود, إلا أن تأثير هذه الطريقة كان نافذاً وقوياً؛ فالسرد والحوارات طبيعية وعفوية وتلقائية لدرجة غير مسبوقة, لا يظهر فيها أي افتعال أو تصنُّع, ولن يشعر القارئ, ولو للحظة, أن الروائي حاول أن يوجِّه أياً منها إلى مكان ما, بل إنها كانت تبدو وكأنها أحاديث عادية مبعثرة تكتب نفسها بنفسها, وبالرغم من ذلك فقد كانت حوارات دقيقة وعميقة ومقصودة. حتى أنها في النهاية لم تقنع القارئ بطريقة تفكير هولدن كولفيلد فحسب, بل جعلته ينظر للعالم كله من خلالها. حقيقة أني أجزم أن هذا العمل هو أفضل عمل استخدم أسلوب ( ضمير المتكلم ) في السرد, ومن أفضل الأعمال من ناحية بناء الحوار, في الأدب الحديث.

إلى أي درجة قد تكون حياة البشر فاسدة؟ وإلى أي درجة حياتهم مزيفة؟ وهل بالإمكان تغيير ذلك؟ هولدن كولفيلد يقنّعك أن حياة البشر أكثر فساداً وأكثر زيفاً وأكثر صعوبة على التغيير مما تتصور. العالم في نظره مجرد إعلان تجاري مخادع, والناس لا يتعدون كونهم ممثلين رديئين فيه, ممثلون لا يرى فيهم سوى الضحالة والزيف والنفاق, ولا يفلت من رؤيته هذه سوى الأطفال؛ فالأطفال عنده هم الفئة الوحيدة الصادقة والبريئة, والمسألة لا تتجاوز كونها وقتاً وينفد, ليكبر بعدها الأطفال ويصيرون ممثلين رديئين آخرين.

عندما يقدِّم هولدن كولفيلد آراءه هذه, وعندما يصدر هذه الأحكام والتعميمات نجده يكرّ ويفرّ. فتارة تجده ساخطاً, وتارة ساخراً, وتارة بذيئاً, وتارة لا مبالياً. لكنه, في كل الأحوال, يشدّ القارئ, يقنعه, يخدّره, وفي النهاية يسيطر عليه, وعندما تصل الرواية إلى آخر كلمة, يكون القارئ قد صار ( حارس حقل شوفان ) أخر.

القضية الكبرى التي أثارتها هذه الرواية هي لغتها؛ فالرواية مكتوبة بلهجة سكان نيويورك العامية, وليس هذا فحسب, بل إن بطل الرواية شخص كثير السباب واللعن والشتم. هذه اللغة ربما تبدو, لأول وهلة, طريقة همجية وبذيئة في كتابة الرواية, لكنها, في الحقيقة, طريقة مميزة وواقعية في السرد وفي رسم شخصية بطل الرواية؛ فقد استطاعت هذه اللغة أن تعبِّر عن شحنة الغضب والغل عنده, ومن جهة أخرى, فإن غاية هولدن كولفيلد هي الهروب من الزيف, واللغة المتكلّفة الباذخة, بلا شك, هي تزييف كبير. على كل حال, يرى اللغويون هذا العمل كنزاً ثميناً؛ فهو يسجِّل, بشكل دقيق, المفردات, والتعابير, التي كانت رائجة بين المراهقين في نيويورك إبان الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي.
على الرغم من كل الغايات الأدبية لهذا الاستخدام اللغوي, إلا أن الضريبة كانت باهظة. فبحسب جمعية المكتبات الأمريكية, احتلت هذه الرواية المركز الثالث عشر في قائمة أكثر الروايات المحظورة في المدارس والمكتبات العامة, بل أنه في عام 1960 فُصل أحد المدرسين في ولاية أوكلاهوما لأنه قرّر هذه الرواية على طلابه.

أصبح هولدن كولفيلد رمزاً للتحدي والتمرَّد عند المراهقين. يقول عنه سالنجر – كاتب الرواية – إنه شخصية بسيطة جداً ومعقدة جداً؛ فعلى الرغم من أن هذه الشخص ممتلئ بالسخط, وعلى الرغم من أنه أحياناً يبدو وكأنه يتكلم بصوت عالٍ, إلا أن سخريته وحس دعابته كان هستيرياً, حتى أن من الصعوبة أن تجد صفحة واحدة في هذه الرواية لم يتحصل فيها هولدن كولفيلد على ضحكة عالية من القارئ, وفي الوقت نفسه فإن مشاعر هذه الشخص هشة جداً, وقدرته على الانفعال والتأثر وحساسيته مفرطة للغاية.

تقارن هذه الرواية على الدوام برواية ( مغامرة هوكليبري فين ) للأديب مارك توين؛ فكلتا الروايتان بطلها شاب صغير, وتستخدمان ضمير المتكلم في السرد, وتتقاربان في الموضوع والحبكة. بالإضافة إلى ذلك فإن كل من الروايتين ينقل جزء من تجربة روائيهما الحقيقية, لكن هولدن كولفيلد يتفوّق على هوكليبري فين راوياً بحكم الطريقة, والمفردات, التي جعله سالنجر يتحدث بها.

كاتب الرواية هو ( جيروم ديفيد سالنجر ), ورواية ( الحارس في حقل الشوفان ) هي روايته الوحيدة, وهي عمله الأشهر. فقد صدرت له عدة قصص قصيرة قبل هذه الرواية, وصدرت له بعدها ثلاث مجموعات قصصية قصيرة, وقصة واحدة. ظهرت شخصية هولدن كولفيلد, وبعض شخصيات هذه الرواية, أول مره, في عام 1945, في قصة قصيرة اسمها ( إنني مجنون ), ومره أخرى في عام 1946, في قصة اسمها ( تمرّد ماديسون الطفيف ), وقد شكَّلت هذه وقصص أخرى كتبها سالنجر في فترة الأربعينات أسس بعض فصول وشخصيات هذه الرواية.

ولد سالنجر, طفلاً ثانياً وأخيراً, في مدينة ( منهاتن ) بولاية ( نيويورك ) في عام 1919 لأم أيرلندية – اسكوتلنديه ولأب بولندي. وكانت عائلته ميسورة الحال, تخرَّج من أكاديمية عسكرية 1936, وفي العام التالي تعرَّف على فتاة تدعى ( أونا أونيل ) وأحبها, ولكنه صدم حين علم أنها تزوجت الممثل ( شارلي شابلن ), رغم فارق السن بينهما. يقول سالنجر في إحدى المقابلات الصحافية أن حياته الشخصية تشبه إلى حد كبير حياة هولدن كولفيلد.

لم يحرَّك سالنجر ساكناً تجاه نجاح روايته الساحق. بل إنه رفض أن تنشر صورته على غلافها. وعلى الرغم من ذلك تواصل اهتمام وسائل الإعلام به ومطاردتها له, حتى تعمَّد تقليل نشر أعمالة, ثم توقف في النهاية عن النشر, بل أصبح يصف النشر بأنه ( مقاطعة مزعجة ), وتطورت الأمور حتى انكفأ على نفسه, وابتعد عن الناس, وانعزل عن المجتمع تماماً, ولا يزال سالنجر حتى الآن في عزلته, وهو على أبواب التسعينات, في ولاية ( نيوهامبشير ), حتى أن مجلة ( التايم ) وضعت صورته على غلافها, في أحد أعداد عام 1961, تحت عنوان ( حياة من العزلة ).

في عام 1949 صدر فلم ( قلبي الغبي ) الذي اعتمد على قصة سالنجر القصيرة ( العم وينقلي في كونيكتيكت ) وقد حوِّرت هذه القصة في الفلم كثيراً. وقد كان هذا التحوير سبباً لرفض سالنجر القاطع لأي محاولة لنقل أي عمل أخر له للسينما, على الرغم من تلقيه عدة عروض من مخرجين ومنتجين كبار لتبنِّي أعماله.

في عام 2007 صدر فيلم عنوانه ( الفصل 27 ) عن حادثة اغتيال ( جون لينون ), وعنوان الفيلم يشير لرواية ( الحارس في حقل الشوفان ) التي تنتهي عند الفصل ( 26 ), وكأن هذا الفيلم تتمة للرواية, وفي عام 2008 أصدر أحد المخرجين أغرب فيلم يمكنك أن تسمع عنه في حياتك, الفلم هو عبارة عن شاشة زرقاء تظهر لمدة 75 دقيقة وست ثواني, لا أكثر من ذلك ولا أقل, وقد جعل عنوان هذا الفيلم ( الحارس في حقل الشوفان ).

نلاحظ في معظم أعمال سالنجر ازدراء ( هوليوود ) واعتبارها منارة للتزييف والخداع. ربما كان رأي سالنجر هذا, رغم تجربته السينمائية الوحيدة, سبباً لرفضه تحويل أعماله أفلاماً سينمائية, وربما يكون هذا الرفض, بل وحتى رأيه نفسه, لا يتعدى كونه ردة فعل بعد زواج الفتاة التي أحبها من الرمز السينمائي ( شارلي شابلن ) لكن بغض النظر عن هذا وذاك, فسالنجر قدَّم في هذه الرواية آراء سينمائية عميقة ورائعة, هذا بالرغم من أنها كلها كانت مغلفة بالتهكم والسخرية.

ترجمت هذه الرواية إلى كل اللغات الكبرى في العالم, وترجمها للعربية الروائي الأردني ( غالب هلسا ) – رحمه الله – منذ أكثر من ثلاثين عاماً, وأعادت دار ( المدى ) نشر العمل في 2007. المشكلة التي واجهت الأستاذ غالب هي أن الرواية مكتوبة باللهجة العامية, وعلى الرغم من ذلك فقد استطاع أن يقدِّم ترجمة مميزة لها. لكنه لو طعّم ترجمته ببعض الكلمات العامية, والتي قد تكون لها جذور فصيحة, فإنها سوف تكون أكثر تأثيراً في القارئ العربي.

( الحارس في حقل الشوفان ) بصمة أدبية مميزة بين الروايات. رواية جمالها في بساطة طرح أفكارها, وقوتها في قدرتها على إقناع قارئها بهذه الأفكار, وهي درس أدبي خاص في بناء الحوارات واستخدام اللغة في الرواية.

رواية: حاج كومبوستيلا – باولو كويلو

تنبيه:في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد.

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: حاج كومبوستيلا

عنوان الرواية الأصلي: O Pilgrimage

اسم الروائي: باولو كويلو

سنة النشر: 1987

دار الترجمة: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر

عدد الصفحات: 234 صفحة

للحصول على النسخة العربية من الرواية: ( أضغط هنا )

للحصول على النسخة الإنجليزية من الرواية: ( أضغط هنا )

***

غلاف الرواية:

***

عن الرواية:

رواية ( حاج كومبوستيلا ) هي ثالث عمل لباولو كويلو, والتي صدرت عام 1987؛ أي قبل عام واحد فقط من صدور أشهر رواياته ( الخيميائي ). عمله الأول كان ( أرشيف الجحيم ) وقد نفد ولم تُعد طباعته حتى الآن, والعمل الثاني له هو ( الدليل العملي للفامبيرية ) وقد سُحب لأنه بدا لكويلو أن العمل لم ينجح في إيصال رسالته.

تحتل رواية ( حاج كومبوستيلا ) مكانه مميّزه بين روايات كويلو؛ وذلك لأن من خلالها يستطيع القراء أن يفهموا باقي أعماله بشكل أفضل, هذه الرواية تقدّم لنا الفلسفة الأولية والأساسية التي ينظر من خلالها كويلو للحياة ككل؛ وتقدم لنا أيضاً الرحلة التي أسفرت عنها هذه الفلسفة الروحانية, البسيطة, الخلابة, والتي تجلّت بعد ذلك في كل رواياته؛ تلك الروايات التي بالمناسبة بيع منها أكثر من مئة مليون نسخة في مئة وخمسين دولة بستة وستين لغة. الشيء الآخر الذي يميّز هذه الرواية هو أنها تحمل قدراً حقيقياً من حياة كويلو كما لم تحمله أي رواية أخرى له؛ بل إنه في هذه الرواية هو شخصية الرواية الرئيسية.

في ليلة الثاني من يناير من عام 1986, وفوق قمم جبال ( سيرا دومار ) الموجودة في الجنوب الغربي للبرازيل بموازاة المحيط الأطلسي, تبدأ أحداث هذه الرواية.

فوق تلك الجبال كانت تجري طقوس ترقية كويلو إلى رتبة جديدة ضمن أخوية اسمها رام ( RAM ) والتي كان عضواً فيها منذ عشر سنوات. ورام – كما يقول كويلو عبر موقعه على الإنترنت – هي أخوية مسيحية أسُست عام 1942, غرضها الأساسي هو دراسة اللغة الرمزية للعالم, وأسمها هو اختصار لـ (regnum, agnus, mundi) وتعنى ( الصرامة, الحب, الرحمة ). في أخوية رام يكون لكل عضو سيف خاص برتبته, وتنصّ تعاليم الأخوية أنه أثناء طقوس ترقية أحد الأعضاء يجب أن يَدفن سيفه القديم, ومن ثم يُعطى السيف الجديد الخاص برتبته الجديدة.

أثناء مراسم ترقية كويلو, جثى على الأرض أمام الجميع ودفن سيفه القديم, ومن ثم رفع يده لمعلمه كي يستلم السيف الجديد, لكن ما أن لمس الغمد, حتى تقدم معلمه خطوة للأمام وداس أصابعه بقسوة وأبعد السيف عنه, وقال له أنه لا يستحق السيف الجديد ولن يستعيد السيف القديم؛ لأنه متعجرف, ويعتقد أن طريق الأخوية هي طريق لناس معيّنين مختارين, بينما هي طريق للجميع.

تنتهي المراسم بهذا الفشل الذريع لكويلو, وبعد نهايتها تجئ له زوجته, والتي كانت موجودة أثناء ذلك, وتقول له أن المعلم قال لها أنه سوف يخبئ السيف, الذي كان من المفروض أن يناله, على طريق قديم قروسطي في أسبانيا, وأن على كويلو أن يقطع هذا الطريق بحثا عنه, واسم هذا الطريق هو ( مار يعقوب ).

بعد سبعة أشهر, وبعد كثير من التردد, قرّر كويلو أن سوف يقطع طريق مار يعقوب بحثاً عن سيفه. يسافر بعدها من البرازيل لجنوب فرنسا, ويلتقي هناك ( بتروس ) وهو اسم مستعار لعضو آخر في جمعية رام, والذي يصير دليلاً ومرشداً لكويلو في هذا الطريق الذي يمتد من جنوب فرنسا وحتى شمال غرب أسبانيا بمسافة تتجاوز السبعمائة كيلو متر.

وتبدأ رحلة البحث عن السيف, وفي أثناء هذه الرحلة, يكتشف كويلو, من خلال الطريق الذي يعبره, ومن خلال مرشده بتروس, معاني جديدة رائعة وملهمة للحياة وللموت وللحب وللزواج وللورع وللامتثال وللجنون وللتواضع وللانتصار وللشجاعة .. وغيرها الكثير .. يكتشف باولو هذه المعاني بطريقة ذات تسلسل منطقي جذاب وكأن رحلة سفره ما هي إلا رحلة حياة مصغره؛ في هذه الرواية نرى كويلو, وعلى عكس باقي رواياته, يأخذ دور التلميذ.

يتعلّم كويلو أيضاً من خلال مرشده العديد من تمارين أخوية رام, وهي عبارة عن تمارين بسيطة ذات طابع تأملي, والغاية من هذه التمارين هي تعزيز قوة حدس المتدرب. يقول المرشد بتروس عن هذه التمارين بأنها بسيطة لدرجة أن الناس الذين ألفوا تعقيد الحياة لن يولوها اهتماماً. وقد وصف باولو هذه التمارين بالتفصيل في هذه الرواية, وسوف يجد القارئ أن بعض هذه التمارين جدير بالممارسة فعلاً.

فلسفة كويلو, وفلسفة هذا العمل, تنصّ على أن كل ما هو خارق واستثنائي موجود في طريق الناس العاديين؛ لا فائدة من أن يبحث أحدهم عن أسرار لا يعرفها الباقين, أو أن يدعي أنه ينتمي لنخبة المجتمع, أو يتظاهر أنه يمثّل الطبقة المثقفة دون الدهماء, أو أن يحاول أن يتقمّص دور الصفي أو النبيل أو الخاص؛ لأن ما نعتقد أننا نملكه وحدنا لا قيمة له ما لم نتقاسمه مع سائر البشر.

لفلسفة هذا العمل انعكاس واضح جداً على سائر أعمال كويلو؛ فتجد أن أبطال قصصه هم الناس البسطاء, فتارة تجد راعي غنم, وتارة تجد نادلة في حانة, وتارة تجد عاهرة, وتارة تجد فتاة من دولة شرق أوروبية مغمورة لا شيء مميز فيها سوى أنها حاولت أن تنتحر. أيضاً كان لهذه الفلسفة أثر في طريقة كتابة كويلو نفسها, فتجد أن حبكات رواياته سلسه, وأفكاره واضحة, وتعابيره سهله, وكلماته بسيطة.

يعتقد الكثير من القراء أن كويلو كرّر نفسه في كل من رواية ( حاج كومبوستيلا ) ورواية ( الخيميائي )؛ نظراً لأن كلتاهما تدوران حول البحث والسفر, بالإضافة إلى أن أسبانيا شكلت مسرحاً مهماً لكل من الروايتين. في الحقيقة إن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ لأن ( الخيميائي ) رواية عن ( الوجهة ) أو الهدف, بينما ( حاج كومبوستيلا ) رواية عن ( الطريق ) نفسه. في الخيميائي كان هدف الراعي – كنزه – هو الذي يعلّمه, بينما في حاج كومبوستيلا كان الطريق الذي يسلكه كويلو للحصول على سيفه – بالإضافة لمرشده – هو الذي يعلّمه.

بالنسبة للطريق الذي سلكه كويلو في هذه الرواية, طريق ( مار يعقوب ) فهو أحد طرق الحج الرئيسية في المسيحية, وليس لهذا الطريق مسلك واحد محدد, ولكن له عدة مسارات تنتهي كلها عند قبر ( القديس جيمس ) والذي يُعتقد بوجوده عند كاتدرائية اسمها ( سانتياغو دي كومبوستيلا ) الموجودة في محافظة اسبانية اسمها أيضاً ( سانتياغو دي كومبوستيلا ) وهي عاصمة منطقة ( جليقة ) الموجودة في الشمال الغربي من الجزيرة الأيبيرية, وقد عرفت هذه المحافظة في التاريخ الإسلامي بـ ( شانت ياقب ).

طريق ( مار يعقوب ) يعرف أيضا باسم ( طريق المجرة ) لأن الحجاج كانوا يستدلّون بالنجوم أثناء عبوره, وعند الأسبان يعرف هذا الطريق باسم طريق ( سانتياغو ), واسم سانتياغو في الاسبانية ينقسم لقسمين, الأول هو ( سان ), ويعني ( قديس ), والثاني هو ( ياغو ) أو ( دياغو ), وهو الاسم المقابل للاسم العبري ( يعقوب ), وليعقوب في الانجليزية عدة أسماء تقابله منها ( جيمس ) ومنها أيضا ( جاك ) و( جيكوب) و( جيم ).

بالنسبة لكلمة ( كومبوستيلا ) فهي كلمة ذات أصل لاتيني, وتعني ( حقل النجمة ), وسبب هذه التسمية الغريبة هو أنه بعدما قُتل القديس جيمس, دُفن في مكان ما من اسبانيا, وظل هذا المكان مجهولاً حتى رأى احد الرعيان – كما يُقال – نجمة تسقط في احد الحقول لتدله على مكان دفن القديس, ليٌبنى فوق ذلك الحقل الكنيسة التي تعرف الآن باسم كنيسة ( سانتياغو دي كومبوستيلا ), وتنشأ المدينة المعروفة الآن بـ ( سانتياغو دي كومبوستيلا) أي ( حقل نجمة القديس جيمس ).

هذه المعالم المسيحية الموجودة في الرواية, توهم بعض القراء أن الرواية تبشيرية, لكن الحقيقة أن هذا غير صحيح؛ الفكرة من عبور طريق مار ( يعقوب ) هي عبور طريق يسلكه آلاف الناس عبر مئات السنين, أي طريق عادي, طريق ليس لفئة معينة أو لعلية قوم؛ الفكرة ليست دينية البتة.

كان لهذه الرحلة تأثير قوي جداً على كويلو, بل إنها تعتبر منعطفاً هاماً – أو ربما الأهم – في حياته, حتى إنه إذا سؤل: “من أنت؟” يجيب: “أنا حاج”. ويقول أيضا: “الحياة ذاتها عبارة عن رحلة حج، إذ إن كل يوم يختلف عن الآخر، وبإمكانك أن تحظى بلحظة ساحرة يومياً، غير أننا لا نرى الفرص السانحة لنا … كلنا في حالة من السفر والحج، شئنا أم أبينا ذلك. والغاية، أو السانتياغو الحقيقي، هو الموت”.

في عام 2006, وكاحتفال بمرور عشرين عاماً على صدور رواية ( حاج كومبوستيلا ) قرّر كويلو أن يقوم بقطع طريق ( مار يعقوب ) مرة أخرى, وقد أنشاء مدوّنة على الإنترنت لينقل هذه التجربة للقراء أثناء حدوثها ( أضغط هنا لزيارتها ).

النسخة العربية, الصادرة من شركة المطبوعات للتوزيع والنشر, ذات ترجمة رائعة, أتقدم هنا بالشكر الجزيل للأستاذة ( ماريا طوق ) لهذه الترجمة المميزة. أتمنى فقط من شركة المطبوعات للتوزيع والنشر أن تضيف فهرس لفصول هذه الرواية كما هو موجود في النسخة الإنجليزية.

***

مراجعات اخرى لنفس الروائي:

1 – الخيميائي

***

أعمال أخرى مترجمة للعربية لنفس الروائي:

1 – ساحرة بورتوبيللو

2 – الزهير

3 – فيرونيكا تقرر أن تموت

4 – الشيطان والآنسة بريم

5 – الخيمائي

رواية: مزرعة الحيوان – جورج أورويل

تنبيه: في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: مزرعة الحيوان

عنوان الرواية الأصلي: Animal Farm

اسم الروائي: جورج أورويل

سنة النشر: 1945

دار الترجمة: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

اسم المترجم: محمد العريمي

عدد الصفحات: 185 صفحة ( من الحجم الصغير )

المكتبة التي اشتريتها منه: مكتبة الكتاب

السعر: 24 ريال سعودي

***

الغلاف:

 

***

عن الرواية:

في إحدى مزارع إنجلترا, وبعد نوم صاحب المزارعة, جمَع الخنزير العجوز “ميجر” كل حيوانات المزرعة في الحظيرة, ليخطب فيهم ويقول لهم أن بؤسهم وشقاءهم وتعاستهم سببها الإنسان, وألا سبيل لهم للسعادة إلا بالثورة عليه, والتخلص منه.

بعد هذه الخطبة بثلاث أيام توفي “ميجر”, ليقوم ثلاث من الخنازير ( “سنوبول” و”نابولين” و”سكويلر”) بتوسيع مضامين خطاب “ميجر”, وتحويله لنظام فكري متكامل أسموه ( الحيوانية – Animalism ), وبدءوا بنشره وتدريسه لبقية حيوانات المزرعة.

وفي أحد الأيام, ثمل صاحب المزرعة, ونسي أن يطعم الحيوانات, مما سبّب لها حالة من الهيجان والفوضى, والذي كان سبباً لاشتعال ثورة الحيوانات, والتي تكلّلت بطرد صاحب المزرعة منها.

كان أول قرار يتم اتخاذه, بعد انتصار ثورة الحيوانات, هو تغيير اسم المزرعة لـ ( مزرعة الحيوان ), وحتى تفهم جميع الحيوانات مذهب “الحيوانية”, قامت الخنازير الثلاثة بتبسيط تعاليم المذهب على هيئة سبع وصايا قصيرة وواضحة, ثم قاموا بكتابتها بخط كبير على جدار الحظيرة.

بعد ذلك أصبح “سنوبول” و”نابولين” بمثابة العقول القيادية المدبّرة في “مزرعة الحيوان”, بينما صار “سكويلر” هو المتحدث الرسمي باسم هذا الجهاز القيادي, لكن للآسف, “سنوبول” و”نابولين” لا يتفقان على شيء إطلاقاً, وفي نفس الوقت “سكويلر” متحدث خبيث يستطيع – كما تصفه الرواية – أن يقنعك أن الأسود أبيضاً.

ومن هنا تبدأ الرواية؛ فنرى استبداد أنظمة الحكم الشمولية .. كاريزمات القادة النافذة .. اختلاس الثروات العامة .. الانقلابات العسكرية .. الشعارات المخدرة .. والأهم من هذا كله؛ نرى تسيّس الإعلام, وتحويله لأداة للسيطرة على العقول وخداع الجماهير؛ عن طريق عكس الحقائق, وتضليل الوقائع, بل والتلاعب بالأيدلوجيات وتحريفها.

في الحقيقة نستطيع أن نلخص رسالة الرواية كالتالي: ( الجهاز الإعلامي لا بد أن ينحاز للحكومة في حال إدارتها له ).

بالرغم من أن تضمينات الرواية مفزعة جداً, إلا أن استخدام الحيوانات كتشبيه هجائي, وحيونة – إن صحت التسمية – الشعارات والأناشيد والمذاهب, جعل قالب العمل ظريفاً وكوميدياً.

صدرت رواية “مزرعة الحيوان” في عام 1945 للأديب “جورج أورويل”, وقد كتبها أثناء الحرب العالمية الثانية, تحت تأثير تجربته في الحرب الأهلية الأسبانية.

اختارت مجلة “التايم” هذه الرواية كواحدة من أفضل مئة رواية إنجليزية صدرت بين عامي ( 1923 – 2005 ), وفي تصنيف صدر من دار النشر الأمريكية العريقة Random House, صنّفها النقاد في المرتبة 32 من 100 على مستوى روايات القرن العشرين,وفي تصنيف أخر لنفس الدار, تم بناء على رأي الجمهور, تم تصنيفها في المرتبة 21.

بالرغم من أن هذه الرواية قائمة بحد ذاتها, إلا أننا لا نستطيع أن نتجاوز التشابه الكبير بين شخصيات الرواية وبعض الشخصيات الحقيقية, في الحقيقة يبدو التشابه مقصوداً جداً, ولا يظهر أن هناك أي نوع من محاولة المواربة أو التمويه؛ فمن الواضح أن الرواية كلها عبارة عن قصة ( الثورة البلشفية ), والخنزير العجوز “ميجر” بمثابة “كارل ماركس”, ويتضح – بجلاء – من أحداث الرواية أن الخنزير “نابليون” يقصد به “ستالين”, والخنزير “سنوبول” هو “تروتسكي”, والخنزير “سكويلر” يمثّل قطاع الإعلام, وبالأخص صحيفة “برافدا” إبان فترة “ستالين” والتي استخدمها لتضليل الجماهير, وحتى مالك “مزرعة الحيوان” الأصلي يشبه القيصر الروسي “نيكولاس الثاني”, وسوف تجد في الرواية شخصيات تمثّل كل من الطبقة الكادحة, والمتوسطة, والمخملية, والمثقفة في الاتحاد السوفيتي حينذاك, أيضاً كان هناك شخصية يقصد بها الكنيسة الأرثوذكسية الروسية, وأخرى يقصد بها أجهزة الـ KGB والـ NKVD, بل إن هناك شخصية ترمز للروائي نفسه, وهذا كله ليس تصيداً, بقدر ما هو إسقاط واضح بجلاء, بل إنه يُظهر نفسه بنفسه. وبالرغم من كل هذا تستطيع أن تقرأ الرواية ولا تشغل نفسك بهذه التشابهات, وسوف تجد أنها ممتعة ومؤثرة جداً.

صدرت رواية “مزرعة الحيوان” كفيلم كرتوني في عام 1954, وصدرت كفيلم سينمائي في عام 1999, وفي عام 2002 ظهرت رواية بعنوان “فرصة سنوبول”, لأديب اسمه “جون ريد”, حاول فيها أن يكتب تتمة لرواية “مزرعة الحيوان”.

رواية قصيرة وبسيطة, لكنها جديرة بالقراءة والتأمل مطولاً, وفي النهاية لا يسعني إلا أن أقدم الشكر للأستاذ “محمد العريمي” لترجمته الرائعة لها.

***

أعمال أخرى لنفس المؤلف:

1 – 1984

2 – متشرداً في باريس ولندن

3 – تحيّة إلى كاتلونيا

4 – أيام بورمية

كتاب: العادات السبع للناس الأكثر فعالية – ستيفن كوفي

بطاقة الكتاب:

عنوان الكتاب: العادات السبع للناس الأكثر فعالية

عنوان الكتاب الأصلي: The 7 Habits of Highly Effective People

اسم المؤلف: ستيفن كوفي

سنة النشر: 1989

دار الترجمة: مكتبة جرير

عدد الصفحات: 482 صفحة

المكتبة التي اشتريتها منه: مكتبة جرير

السعر: 45 ريال سعودي

***

الغلاف:

 ***

عن الكتاب: 

هل ( تطوير الذات – Self Help ) خدعة؟, هل تحمل كتب تطوير الذات أي قيمة حقيقية؟, هل تتجاوز هذه الصناعة استغلال الضعف البشري السائد, والناجم عن تعقد, وتشعب, وقسوة, واختلال, الحضارة الحالية؟.

مبدأ تطوير الذات في الأساس مبدأ سليم, فأي محاولة لتحسين مستوى الإنسان على أي صعيد, وفي أي نطاق, تنتمي لمجال تطوير الذات؛ ومن هنا تظهر لنا مشكلة حصر وتقييم كتب تطوير الذات, فكل الكتب التي تقدم حلول ووسائل تنموية في أي مجال تدخل تحت بند تطوير الذات, مثل: ( العلاقات, الصحة, الثراء, إدارة الوقت, الخطابة, القراءة السريعة, تقوية الذاكرة .. الخ )؛ وهذا سبب صعوبة إصدار حكم قطعي عليها, لذا سوف نجعل تعريف كتب تطوير الذات: ( هي كل الكتب التي تجدها في المكتبات في القسم المعنون بـ “كتب تطوير الذات” ) .. أظن أنك عرفت الكتب التي أقصدها بهذا التعريف! .. التعريف متجاوز ولكنه يخدم هدفنا هنا.

تبدأ مشكلة هذه الكتب من العناوين, فعناوينها مفتعلة, ومبالغ فيها, بل وتستغفل الجمهور؛ عناوينها تأتي على شاكلة ( كن ثرياً في خمس دقائق ) و ( النجاح في ثلاثة أيام ), هذه المشكلة, في معظم الحالات, لا علاقة لها بمحتوى الكتاب, أو حتى مؤلف الكتاب, لأن دور النشر, غالباً, هي التي تصر على هكذا عناوين, بالإضافة إلى أن المعلن, أيضاً, يستخدم جمل تسويقية على غرارها, ومن جهة أخرى, يشكّل ضعف الشريحة المستهدفة أرض خصبة لأرباح فلكية بسببها, وهو ما يدفع دور النشر, والمعلنين, للاستمرار في مبالغاتهم هذه. في الحقيقة أنه حتى عنوان كتاب ( العادات السبع للناس الأكثر فعالية ) هو عنوان مبالغ فيه, وحتى مؤلف الكتاب – ستيفن كوفي – كان يشير لهذه العادات في الكتاب بـ ( عادات الفعالية ), ولم يشر لها بالمبالغة الموجودة في العنوان.

والمشكلة الثانية, موجودة على الصعيد العربي, فكل كتاب يترجم من هذا المجال يتم وسمه بأنه ( الكتاب الأكثر مبيعاً ), هذه الجملة أصبح القارئ العربي يتجاهلها كلياً, وكأنها غير موجودة تماماً, مع أنها من المفروض أن تكون دليلاً يساعده في اختياره؛ أعتقد أن دور الترجمة يجب أن تلحق مع هذه الجملة اسم القائمة, والتاريخ, والمدة التي ظهر فيها كأكثر كتاب مبيعاً؛ لزيادة مصداقيتها مع الجمهور.

أما المشكلة الكبيرة لمعظم هذه الكتب أنها تحاول أن تقدم إجابات سهلة وسريعة لمعضلات إنسانية – وأحيانا كونية – معقدة وضخمة, ومما يزيد الطين بله أن مؤلفي هذه الكتب يحاولون أن يقنعوا القراء أن هذه الإجابات علمية, ومجربة, وقابلة للتكرار؛ أي أنها سوف تحدث مع القراء كما حدثت مع المؤلفين, وكما حدثت أيضاً مع الأشخاص الملفقين المذكورين في هذه الكتب, بينما, حقيقة الأمر, أن كل هذه الإجابات, التي يقدمونها, لا تتجاوز كونها ( هراء ) منمق, والمشكلة لا تقف عند هذا الحد, فالإجابات والتطبيقات قد تتجاوز كونها غير نافعة للقارئ, لتكون ضرراً ووبالاً عليه, سواء على المدى القصير, أو على المدى البعيد.

في برنامج نقدي شهير اسمه ( Penn & Teller: Bullshit! ), قُدمت حلقة بعنوان ( Self Helpless ), هذه الحلقة كانت ضربة قاصمة لصناعة تطوير الذات في الولايات المتحدة – عاصمة هذه الصناعة, في هذه الحلقة كشف البرنامج الحيل, والألاعيب, والسخافات التي تقوم بها مجموعات تطوير الذات, من ( مشي على الجمر ) و ( مشي على الزجاج المهشم ) و ( كسر الألواح والطوب ) وغيرها من التفاهات, والتي, للأسف, يبدو أنها بدأت تنتشر مؤخراً على الصعيد المحلي. وفي حلقة أخرى, من نفس البرنامج, اسمها ( Business of love ), قابل البرنامج مجموعة من مؤلفين كتب تطوير الذات المختصة بالعلاقات العاطفية, من بينهم ( جون غراي ) مؤلف الكتاب الشهير ( الرجال من المريخ والنساء من الزهرة ) ليكشف للجمهور مدى سطحية هذا المؤلف, ومدى سطحية كتابه, وإحقاقاً للحق؛ أنا لم أقراء الكتاب, ولا أخطط لذلك, فبعد سماعي لكلام المؤلف, وإطلاعي على فقرات من هذا الكتاب في البرنامج, لست مضطراً – كما يقول “برنارد شو” – أن أكل البيضة كلها كي أعرف أنها فاسدة.

السؤال المهم الآن: كيف تعرف كتب تطوير الذات الجيدة؟, حقيقة أنه لا توجد إجابة قاطعة, فأنت الحكم؛ أهم شيء أن تستحضر فكرة أن كتب تطوير الذات الجيدة قليلة جداً؛ كي لا تغرك العناوين البراقة المبهرجة, وتعوّد أن تبحث عن كتاب يحاول أن يقدم حل لمشكلة واضحة, ومحددة, ومعقولة, مثل: طريقة القراءة السريعة, استخدام خرائط العقل, تقوية الذاكرة, إتباع الأنظمة الصحية الغذائية, زيادة الفعالية .. الخ, وعموماً حاول أن تقلل منها قدر الإمكان كي لا يصيبك إدمان كتب تطوير الذات, والذي اعتقد أنه بدا ينتشر مؤخراً محلياً؛ نظراً لكمية العناوين الهائلة التي أصبحت تنقل للعربية .. لا بد أن هناك من يقرأها !! .. وتبقى الطريقة الأهم هي ( القراءة الناقدة )؛ قبل شراء الكتاب تصفحه بعين الناقد, وليس بعين المحتاج لحل المشكلة التي يدعي المؤلف انه يقدم حلاً لها في كتابه.

هناك عدد بسيط من كتب تطوير الذات, يكون مندرجاً أساساً تحت تصنيف مجال أخر, ولكنه أيضاً ( كما اتضح لك من معضلة التعريف ) يدخل في نطاق كتب تطوير الذات, هذه الكتب تساوي قيمة – بل وتتجاوز – وزنها ذهباً, وعلى رأس هذه الكتب, بل إنه تاجها, كتاب: “العادات السبع للناس الأكثر فعالية”, كل ما ذكر عن سلبيات كتب تطوير الذات, باستثناء قضية ( العنوان ), ليس له علاقة أبداً بهذا الكتاب.

بيع من كتاب العادات السبع حتى الآن 15 مليون نسخة, وترجم لـ 38 لغة, والكتاب الصوتي الخاص بالعادات السبع هو أول عمل غير روائي يبيع أكثر من مليون نسخة, ولاحظ هنا أني أورد أرقام محددة, ودقيقة, ولا أذكر جملة مبهمة مثل ( أنه من أكثر الكتب مبيعاً في العالم ).

أعتقد أن كوفي ينتمي لمجموعة أفضل المعلمين في التاريخ, فأعداد طلابه – ومن دون مبالغة – بالملايين, فلشركته 128 فرع في أمريكا الشمالية, و30 فرع حول العالم, وهي تقوم بتدريب 750 ألف شخص سنويا, وبسبب هذه التدريبات, وبالرغم من أن الكتاب صدر في عام 1989, لم تتوقف مبيعات الكتاب حتى الآن, وهو مما جعل من كتاب العادات السبع ( دجاجة تبيض ذهباً ), أيضا من الجدير بالانتباه أن أول ثمانية عشر شركة من أكبر مئة شركة أمريكية, من حيث المبيعات, هم من زبائن كوفي, وثلثي أول خمسمائة شركة أمريكية من زبائن كوفي أيضاً .. هذا الرجل لا يمزح أبداً.

هناك ثلاث أفكار أساسية, تشكل القاعدة التي ينطلق الكتاب منها نحو رسالته, وحتى نفهمها نحتاج أن نعرف قصة تأليف الكتاب.

بدأت قصة تأليف هذا الكتاب في منتصف السبعينات, كجزء من أطروحة درجة الدكتورة لكوفي, حيث كان منهمكاً في قراءة وتفحص كل الكتب والمقالات والأعمدة التي كتبت حول أدبيات النجاح, وتطوير الذات, وعلم النفس الشعبي بداية من عام 1776.

وهنا أجدني مضطراً أن أذكر نقطة مهمة: هناك خطأ شائع جداً يرتكبه مقدمي دورات مادة هذا الكتاب, فهم دائما يذكرون, وبمحاولة للتضخيم, أن كوفي درس سير الناجحين في المائتين سنة الأخيرة, دون أن يفكروا – ولو لثانية – أن عدد الناجحين في المائتين سنة الأخيرة, بالنسبة لشخص قرر أن يدرس قصص الناجحين, هو عدد بسيط جداً, ولكن دعوني أخبركم لماذا يخطئون دائما في هذه النقطة, بالرغم من أنها مذكورة في أول صفحة من الكتاب: يخطئون لأنهم لم يقرءوا الكتاب أصلاً, معظمهم كان يحضر دورات, ويسمع أشرطة حول الكتاب, ولكنه لم يقرأه؛ هذا بالرغم من أنه لا توجد أي وسيلة تغني عن قراءة هذا الكتاب, حتى حضور دوره مع المؤلف نفسه لن تغني عن قراءة الكتاب؛ لأن الكتاب دسم ومتشعب وعميق جداً .. والآن لنواصل القصة ..

بعد حصول كوفي على شهادة الدكتورة, عمل في جامعة “برغهام يانغ”, ثم غادر الجامعة ليفتتح مؤسسته الخاصة, ليحول نشاطه في عام 1984 لمؤسسه جديدة اسمها ( مركز كوفي للقادة ), والتي اندمجت, بعد ثلاثة عشر سنة, مع شركة أخرى, ليصبح اسم الشركة ( فرانكلين كوفي ).

أثناء عمله في مركز كوفي للقادة, قدم برنامج للمدراء التنفيذيين في شركة IBM حول “التخاطب والإدراك”, وأثناء بحثه هذا, تولد لديه اهتمام خاص حول كيفية تكوُّن المفاهيم, وكيف تصنع مفاهيمنا طريقتنا في فهم ورؤية العالم, وكيف أن طريقتنا في فهم العالم تحكم سلوكنا, وقاده هذا الاهتمام لدراسة نظرية ( التوقعات ), وكانت أهم نتيجة خلص لها من بحثه هذا هي: “طريقة النظر للمشكلة قد تكون هي المشكلة الحقيقية”. من بعدها أصبح كوفي ينادي بضرورة تغيير ( التصورات الذهنية – Paradigm ) وهو مصطلح يقصد به الطرق التي ندرك بها العالم؛ أي رؤيتنا وفهمنا له, وأصبحت هذا الفكرة هي ثاني أهم فكرة في الكتاب.

أثناء عمله في الجامعة, قراء كوفي الكتاب الشهير ( الإنسان يبحث عن معنى ) لعالم النفس النمساوي ( فكتور فرانكل ) مؤسس فرع علم النفس ( إحياء المعنى – Logotherapy ), ليعثر على أهم فكرة في فلسفة العادات السبع, بل إن كل العادات, وكل الكتاب, وكل ما يقوم به كوفي, يقوم على هذه الفكرة, وهي: “يوجد مسافة بين المنبه والاستجابة عند الإنسان”, وهذا معناه أن الإنسان من خلال هذه المسافة يستطيع اختيار الاستجابة المناسبة لأي منبه يحدث له, وهذا يعني أن الإنسان ( حر ) ومسؤول عن تصرفاته, وأنه لا توجد ( ردة فعل ), أو ( استجابة ), حتمية, ومن هنا تأتي مسؤولية الإنسان في اختيار مصيره, وبشيء من التدقيق في كلمة “مسؤول” في اللغة الإنجليزية ( Responsible ) نجدها تعني شخص قادر على اختيار استجابته.

الفكرة الثالثة وصل لها كوفي أثناء إعداد أطروحة الدكتورة, فقد حاول مساعدة احد أبناءه الذي كان متدني المستوى على الصعيد الاجتماعي, والدراسي, والرياضي, بوسائل تعلمها من قراءاته في تطوير الذات, إلا أن محاولاته كلها باءت بالفشل, وهو الشيء الذي جعله يعيد التفكير في ما قراءه, ليلاحظ أن مجال تطوير الذات عاش حقبتين, الحقبة الأولى كانت لمدة خمسين سنة قبل الحرب العالمية الأولى, وهي الحقبة التي كانت الكتابات تنادي بـ ( الصفات الأخلاقية المثالية ) مثل: العدل, والنزاهة, والاستقامة. كوسيلة للنجاح, ولكن بعد الحرب, تغير الخطاب, وأصبح الكتّاب ينادون بما يسميه كوفي ( الصفات الأخلاقية الذاتية ) مثل: التفكير الإيجابي, وأساليب العلاقات, والحلول السريعة. وهنا ظهرت الفكرة الثالثة وهي: “الرجوع للصفات الأخلاقية المثالية”.

من خلال دمج هذه الأفكار الثلاثة, أصبحت الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الكتاب هي: ( الرجوع للصفات الأخلاقية المثالية, عن طريق تغيير تصوراتنا الذهنية, باستخدام الحرية الممنوحة لنا, والموجودة في المسافة بين المنبه والاستجابة ).

يرى كوفي أن الإنسان يولد معتمداً على الآخرين, ومن ثم يحتاج أن ( يستقل ) ويعتمد على نفسه, وأيضا يرى كوفي أن هذا فقط هو منتصف الطريق, لأنه يعتقد أن الإنسان يجب أن ينتقل لمرحلة ( التعاون ), وأعلى مرحلة في التعاون هي مرحلة ( التكاتف – Synergize ), وعن طريق الانطلاق من فكرة الكتاب الأساسية المذكورة, يحاول كوفي أن يساعد القارئ في الانتقال بين هذه المراحل, وأيضا يحاول أن يعلّم القارئ كيف يحافظ على, ويطور من, مستواه في كل من التعاون والاستقلال, ولا يتقهقر. هذا الطريق الذي رسمه كوفي عبارة عن نظام عمل مكوّن من مجموعة من المبادئ, مقسمه في سبع مجموعات, كل مجموعة يتعلمها ويجيدها الفرد حتى تصبح عادة تلقائية له, واسم هذا النظام: ( العادات السبع للفعالية ), لذا نستطيع أن نلخص رسالة الكتاب ونقول بأنها: ( الإيمان بأن الأفراد كائنات أخلاقية, تسيطر على قدرها, وأن التعاون هو طريق النجاح لهم ).

بالرغم من أن ستيفن كوفي مسيحي يعتنق طائفة المورمون Mormon, إلا أنه أكّد وشدّد في كتابة أن المبادئ التي يجب أن تكون ركيزة حياتنا, هي قوانين كونية خالدة, ولا توجد منطقة, أو فلسفة, أو دين يملك امتيازها لوحده, وهي جزء أساسي في هيكل الضمير الإنساني, وهي أرث للبشرية كلها, وقد استطاع بذكاء أن يتجنب وصفها بـ ( الأخلاق ), وعوضاً عن ذلك سماها بـ ( المبادئ ), حتى لا يدخل في معمعة جدل لن تنتهي, هذا بالرغم من انه أضاف في أخر الكتاب ( ملاحظة شخصية ) كتب تحتها أنه يعتقد أن مصدر هذه المبادئ هو ( الله ) سبحانه.

لأن عنوان الكتاب هو ( العادات السبع للناس الأكثر فعالية ), فقد أفرد كوفي بعض المساحة في الكتاب ليعرّف ( الفعالية) و ( العادة ) التي يقصدها, عرّف كوفي ( الفعالية ) بأنها ( التوازن بين الإنتاج وبين القدرة على الإنتاج ), الإنتاج يمثل الشيء المرغوب. فالسيارة, على سبيل المثال, إنتاجها هو التنقل بها, بينما القدرة على الإنتاج بالنسبة لها هي قدرتها على التنقل, أي أن تكون صالحة للتنقل, ففي هذه الحالة تكون فعالية السيارة هي موازنتنا بين تنقلنا بالسيارة وفي نفس الوقت محافظتنا على صلاحية السيارة للتنقل, وبقاء القدرة على التنقل منوط باهتمامنا وعنايتنا بالسيارة.

وتنطبق فكرة الفعالية هذه, أيضاً, على العلاقات الإنسانية, فلو فترت علاقة زوجين, فهذا يعني أن الإنتاج توقف, وهو هنا ( الحب ), وهو الشيء المرغوب من هذه العلاقة, وغالبا يكون السبب هو عدم العناية بالقدرة على الإنتاج, وهي هنا ( القدرة على الحب ), ولزيادة هذه القدرة يحتاج الإنسان أن يعتني بها.

وكما تنطبق هذه الفكرة البسيطة على الأشياء المادية, وكما تنطبق على العلاقات, تنطبق على معظم احتياجات الفرد, وتنطبق على العلاقة الأسرية. وتنطبق على مستوى العمل المؤسسي, وهذه إحدى ملامح عبقرية هذا الكتاب؛ فالكتاب موجه للفرد, وللأسرة, وللمؤسسة.

ويعرّف كوفي ( العادة ) بأنها النقطة التي تلتقي فيها ( الرغبة ) و (المعرفة ) و (المهارة)؛ أي سلوك نعرف لماذا وكيف نقوم به, ونرغب بالقيام به, هو ( عادة ) لنا, ويذكر كوفي حكمة مشهورة في كتابة تبين قوة العادات: ( اغرس فكرة, تحصد فعلاً, اغرس فعلاً, تحصد عادة, اغرس عادة, تحصد شخصية, اغرس شخصية, تحصد مصيراً ).

الجزء الأول من الكتاب يختص بالعادات الثلاث الأولى, والتي تساعد القارئ في الانتقال من الاعتماد على غيره للاستقلال بنفسه, والعادة الأولى وهي أساس كل العادات الأخرى, وهي عادة ( كن مبادراً ), وهي عبارة عن فكرة العالم ( فكتور فرانكل ), التي ذكرنها بخصوص حرية الإنسان ومسؤوليته, والتي تمثّل قلب الكتاب.

والعادة الثانية هي ( ابدأ والمنال في ذهنك ) وهي أيضاً تعتمد على فكرة أخرى للعالم “فكتور فرانكل” مفادها أن هناك معنى يستطيع الإنسان أن يوجده لحياته, ولأن الإنسان يملك حرية اختيار استجابته ( بناء على العادة الأولى ) فهو يستطيع أن يحدد طريقه, وفي هذه العادة يقترح كوفي على القارئ, أن يكتب ما سماه ( الرسالة الشخصية ), وهي بمثابة رسالة الإنسان في الحياة, وكأنها دستوره الشخصي, وتكون صيغتها عاطفية, شخصية, إيجابية, بصرية, ذات زمن مضارع, يحدد فيها ما يريد أن يحقق في كل المجالات, وما يريد أن يعيش من أجله, ومن هذه الرسالة يستطيع الإنسان أن يشتق أدواره في الحياة, فعلي سبيل المثال ربما نجد أن ادوار شخص ما تكون: ( أب, زوج, كاتب, رئيس مجلس إدارة ).

في العادة الثالثة ( الأهم أولاً ) يقدم كوفي طريقة لتحقيق الغاية من حياة الشخص على أرض الواقع, والموجودة في الرسالة الشخصية, تبدأ العادة الثالثة باشتقاق أدوار حياتية من الرسالة الشخصية, ومن ثم, استيعاب أنواع المهام التي يؤديها الإنسان في حياته اليومية؛ فهناك أربع تصنيفات للأنشطة اليومية: ( هام وعاجل, هام وغير عاجل, غير هام وعاجل, غير هام وغير عاجل), يشرح لنا كوفي هذه التصنيفات الأربعة حتى يصل إلى أن أهم الأنشطة هي ( الهامة وغير العاجلة ), وهي على سبيل المثال: تعلم مهارة جديدة, تكوين علاقات جديدة, التخطيط. هي عبارة عن أنشطة مهمة ولكنها غير عاجلة, بمعنى أنها غير طارئة, بالعكس من ( الاختبارات الدراسية ) التي هي عبارة عن أنشطة مهمة, ولكنها طارئة, يقول كوفي أن الأنشطة ( الهامة وغير العاجلة ) هي التي تحدد جودة ونوعية حياتنا, لكن المشكلة أنها ليست طارئة, بمعنى أننا نستطيع تأجيلها, أو عدم القيام بها؛ لذا يقترح كوفي في العادة الثالثة طريقة تخطيط أسبوعية رائعة, ولاحقاً أصدرت الشركة برنامج يسمى (PlanPlus ) لتطبيق هذه الطريقة باستخدام الحاسب الآلي, وفكرة هذه الطريقة هي أن يحاول القارئ القيام بأنشطة ( هامة وغير عاجلة ), في كل دور من الأدوار التي اشتقها من رسالته الشخصية, بشكل أسبوعي.

مجموعة المبادئ في العادة الأولى تسمى ( مبادئ الرؤية الذاتية ), وفي العادة الثانية تسمى ( مبادئ القيادة الذاتية ), وفي العادة الثالثة تسمى ( مبادئ الإدارة الذاتية ), وهنا يستخدم كوفي تعريف الإداري “بيتر داركر” في الفرق بين الإدارة والقيادة وهو: ( الإدارة هي القيام بالأشياء بطريقة صحيحة, والقيادة هي القيام بالأشياء الصحيحة ), من هنا تكون العادات الثلاث الأولى عبارة عن تتدرج من إدراك الذات والإحساس بالمسؤولية, للوصول لقيادة الذات ومعرفة الأشياء الصحيحة التي ينبغي القيام بها, ومن ثم الانتقال لإدارة الذات والقيام بالأشياء بطريقة صحيحة, وعن طريق هذه العادات الثلاث يصبح الإنسان مستقلاً, هذا الاستقلال يسميه كوفي ( النصر الشخصي ).

في الجزء الثاني من الكتاب, يذكر كوفي أن تحقيق ( الانتصار الشخصي ) هو خطوة مهمة, للبدء في العادات الثلاث اللاحقة, المختصة بما يسميه ( الانتصار الجماعي ), تبدأ رحلة تحقيق هذا الانتصار بالعادة الرابعة ( المنفعة للجميع ) وهي تختص بطرق التفاعل والتعاملات الإنسانية, وهي ست طرق: ( أنا أربح وأنت تخسر, أنا أخسر وأنت تربح, أنا أربح فقط, كلنا نخسر, كلنا نربح, كلنا نربح أو لا اتفاق ) هذه الطرق تحدد أي الجانبين يكسب في هذه التفاعلات والتعاملات, ويقول كوفي أنه لا توجد طريقة مثالية دائماً للتعامل, لكن الأساس أن طريقة “أنا أربح وأنت تربح” هي الطريقة المثالية على المدى البعيد, حتى على الصعيد التجاري؛ فأن يكسب أحد الأطراف ويخسر الأخر هو خسارة على المدى البعيد للذي كسب في أول الأمر.

العادة الخامسة ( حاول أن تفهم أولاً, ليسهل فهمك ) تختص بالتواصل بين الأطراف في المستوى التجاري, أو التواصل بين الأفراد على المستوى الإنساني, فلكي نستطيع أن نحقق تفاعل جيد, وحتى يفهمنا الآخرون بشكل صحيح, يجب أن نفهمهم, نحن أولاً, بشكل عميق, عن طريق ما يسميه كوفي ( الاتصال العاطفي ) وهو يتجاوز الاستماع, لمحاولة الفهم, ويتجاوز الفهم, حتى يكون محاولة لرؤية العالم كما يراه الأخر بتصوراته الذهنية.

العادة السادسة هي ( التكاتف ) وهي هدف وقمة العادات السبع, وهي تعني أن الأفراد إذا تعاونوا يحققون أكثر مما يستطيع تحقيقه كل فرد منهم منفرداً, وهذا يعني ( أن الكل أكبر من حاصل جمع الأجزاء ).

مجموعة المبادئ في العادة الرابعة تسمى ( مبادئ القيادة الجماعية ), وفي العادة الخامسة تسمى ( مبادئ الاتصال العاطفي ), وفي العادة السادسة ( مبادئ التعاون الخلاق ), وحتى يصل تكاتف الأفراد لأعلى مستوى, يجب أن تكون بيئة هذا التكاتف قائمة على العادة الرابعة ( المنفعة للجميع ), والعلاقة بين الأفراد المتكاتفين قائمة على العادة الخامسة ( أن يحاولوا أن يفهموا الآخرين, كي يفهمهم الآخرين), وأن يكون كل فرد من الأفراد المتكاتفين قد حقق ( انتصاره الشخصي ).

العادة السابعة اسمها ( شحذ المنشار ), ومجموعة المبادئ فيها تسمى ( مبادئ التجديد والتوازن ), ويقصد بهذه العادة المحافظة على مستوى النجاح, والتعاون, والاستقلال عن طريق الاهتمام بأربع جوانب: الجانب الجسدي أو المادي, والجانب الروحي, والجانب الفكري, والجانب الاجتماعي أو العاطفي, ويشرح كوفي في هذه العادة كيف أن الاهتمام بكل جانب من هذه الجوانب يؤثر على أداء عادة معينة, ويشرح كيف يؤثر أداء هذه العادة على أداء العادات الأخرى في مجموعتها, وكيف تؤثر هذه المجموعة على المجموعة الأخرى, وكيف يؤثر هذا التفاعل في النهاية على الفرد أو على المؤسسة.

الكتاب بسيط جداً لكنه قوي, وواضح وعملي جداً ولكنه عميق, أخلاقي للغاية ولكنه واقعي, ويحمل الكتاب ترابط مدهش للغاية في محتواه, ترابط رائع جداً لدرجة الأناقة, وما ذُكر هنا من أفكار لا يتجاوز كونه العمود الفقري للكتاب, ويبقى الكتاب مملوء ومشحون بأفكار أخرى جديرة بالقراءة.

وكما هو واضح, كوفي يدمج أفكاره في هذا الكتاب مع أفكار مفكرين وعلماء آخرين, كمثال حي وواضح على ( التكاتف ) الذي يدعو له في كتابه, من الأشياء المثيرة للانتباه في هذا الكتاب هي المواقف, والإحباطات, والمحادثات, اليومية البسيطة التي يتعرض لها كوفي ويستشهد بها, سواء مع أفراد عائلته, أو مع طلابه في الجامعة, أو مع زبائنه في الشركة, مواقف قمة في البساطة, وتحدث مع كل الناس. لكن كوفي ينظر لها بعمق عجيب, ويخرج منها بدرر, أيضا قدرات كوفي في الاستشهاد والاقتباس غير عادية, لم أجد شخص يتفنن في سرد الاقتباسات كما يفعل كوفي, اقتباساته مؤثره جداً ورائعة للغاية.

جدير بالذكر أن كوفي اختارته مجلة “التايمز” في سنة 1996 كواحد من ضمن أكثر 25 أمريكي نفوذاً في الولايات المتحدة, وفي نفس السنة وصفته نفس المجلة أنه من ضمن أهم 25 شخصية في الولايات المتحدة, وأيضا اختارت مجلة “فوربس” هذا الكتاب كواحد من أكثر عشر كتب تأثيراً على الإطلاق على صعيد إدارة الأعمال أو إدارة الحياة, وكوفي متحدث قوي ومطلوب بشكل مذهل, وقد حاز جائزة ( متحدث العام ) في عام 1999, وعلى الصعيد العائلي, حصل على جائزة “الأبوة” الدولية سنة 2003 كأب لتسعة وجد لأربع وأربعين .. في الحقيقة أن سيرة هذا الرجل هي خير برهان على فعالية أفكار كتابه.

ورغم تعدد كتبه, فإن معظمها مرتبط بالعادات السبع بشكل أو بأخر, فقد كتب كتاب ( قوة العادات السبع ), وكتاب ( ما وراء العادات السبع ), وكتاب ( العادات السبع للأسر أكثر فعالية ), وكتاب ( العادة الثالثة – الأهم أولاً ), وكتب أيضا كتاب كتتمة لكتاب العادات السبع ( العادة الثامنة – من الفعالية للعظمة ), بل إن أحد أبناء ستيفن كوفي كتب كتاب عنوانه ( العادات السبع للمراهقين الأكثر فعالية ), وأيضا كتب ( أهم ست قرارات سوف تتخذها في حياتك ), وله ابن أخر كتب كتاب ( سرعة الثقة ).

الترجمة العربية نجحت في ترجمة مصطلحات الكتاب, لكن هناك بعض الفقرات في الكتاب كانت ترجمتها دون المستوى المطلوب, أتمنى أن تعيد ( مكتبة جرير ) مراجعة الترجمة العربية, وأن تعيد طباعة الكتاب بنسخته الجديدة التي صدرت في عام 2004, والتي صدرت بمناسبة مرور 15 عاماً على صدور الكتاب, والتي تحوي مقدمة وخاتمة جديدة, واقترح أن يُكتب على الكتاب ( استعد كامل قيمة الكتاب في حال عدم استفادتك من المحتوى ), لأن كتب تطوير الذات مذنبه حتى يثبت العكس, فتكون هذه الجملة رسالة من دار النشر بأنها تضمن هذا الكتاب للجمهور, وهو يستحق ذلك, وفي الحقيقة أجد صعوبة في تخيل أن شخص ما سوف يقرأ هذا الكتاب ولن يستفيد منه.

***

كتب أخرى لنفس المؤلف:

1 – قوة العادات السبع

2 – ما وراء العادات السبع

3 – العادات السبع للأسر الأكثر فعالية

4 – الأهم أولاً – العادة الثالثة

5 – العادة الثامنة: من الفعالية للعظمة

رواية: 1984 – جورج أورويل

تنبيه:في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد.

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: 1984
اسم الروائي: جورج أوريل
سنة النشر: 1949
دار الترجمة: المركز الثقافي العربي
اسم المترجم: أنور الشامي
عدد الصفحات: 351
المكتبة التي اشتريتها منها: مكتبة الكتاب
السعر: 34 ريال سعودي

***

غلاف الرواية:

***

عن الرواية:

صدرت رواية “1984″ في عام 1948, وهي رواية سياسية دسيوتوبية, ومصطلح “يوتوبيا” يعني “العالم المثالي”, أو بالأخص “الحضارة المثالية” وخصوصاً في الجانب السياسي والاجتماعي منها, ومصطلح “دسيوتوبيا” يشير للفكرة المعاكسة من ذلك؛ والتي تعني المجتمع القائم على القمع والاستبداد.

الرواية عبارة عن تصور وتحذير لمستقبل من الوارد جداً حدوثه, وتاريخ نشر الرواية هو في غاية الأهمية؛ فعنوان الرواية بالنسبة لتاريخ نشرها يلمّح بأن السيناريو المستقبلي المخيف المذكور فيها قد لا يكون بعيداً, بل إن العديد من المفكرين يظنون أنه قد تحقق جزء كبير منه, والعقبة التي تحول دون تحققه كلياً هي مجرد عقبة تكنولوجية؛ وبشيء من التطور العلمي والتكنولوجي قد يصبح عالمنا – إن لم يكن كذلك الآن – مثل عالم “1984″.

تبدأ الرواية بالطبع في عام 1984 حيث العالم منقسم لثلاث دول: الدولة الأولى هي “أوشيانيا” (تمت ترجمتها لـ “أوقيانيا”), وهي عبارة عن الأمريكيتين واستراليا والجزر البريطانية. والدولة الثانية هي “أوراسيا”, وأراضيها هي روسيا والباقي من أوروبا. والدولة الثالثة هي “إيستاسيا” وتتكون من الصين واليابان وكوريا وشمال الهند. أما بالنسبة للشرق الأوسط, وجنوب الهند, وأفريقيا, فهي عبارة عن ساحات حرب ومناطق متنازع عليها من قبل هذه الدول الثلاث.

أحداث الرواية تدور في دولة أوشيانيا حيث الأيدلوجية هناك هي الاشتراكية الإنجليزية أو ما يسميه الحزب الداخلي بـ (الإنجسوك), وحيث المجتمع هناك مقسم لثلاث طبقات: طبقة “الحزب الداخلي” ونسبتها اثنان بالمئة من السكان, وطبقة “الحزب الخارجي” ونسبتها ثلاثة عشرة بالمئة منهم, وأخيراً توجد طبقة “العامة”, وفوق هذه الطبقات كلها يوجد الحاكم المسيطر المستبد “الأخ الأكبر”؛ هذه الشخصية التي أصبحت من أكثر الشخصيات الروائية شهرة, بل إنها أصبحت رمزاً لأي عملية استبداد أو تجسس أو قمع. وبالمناسبة, سبب تسمية البرنامج التلفزيوني الشهير “الأخ الأكبر” بهذا الاسم هو عملية المراقبة الدائمة على المشاركين فيه.

في هذه الرواية يثبت جورج أورويل أنه ليس أديباً فذاً فقط, بل يثبت أنه مفكر سياسي حاذق, فهو لم يكتفي بتحليل الفكر الاستبدادي وتحليل طريقة عمله, بل تجاوز ذلك ليتنبأ لنا بنبؤة مستقبلية متكاملة مذهلة لما سوف يؤول إليه هذا الفكر إن استمر حاله على ما هو عليه. هذا النوع من الفكر يستخدم ما يحلو لي تسميته (الداروينية الاستبدادية)؛ فهو بمرور الوقت يتخلص من نقاط ضعفه التي تطيح به عادة, وأيضاً بمرور الوقت يعزّز أوجه قوته كي يكسب أعضاء جديدة يسيطر بها على العامة وعلى الثورات والانقلابات المحتملة؛ فأفكار الأخ الأكبر في هذه الرواية تختلف تماماً عن الأفكار الاستبدادية التقليدية, فهو يتعامل مع الشعارات والهتافات والتسميات بطريقة مختلفة, ويتعامل مع الثوار والمنشقين بطريقة مختلفة, ويتعامل مع طبقات المجتمع والحروب والثروات والتقنية بطريقة مختلفة, بل أنه يفهم فكرة “السلطة” وغايتها وتطبيقها بشكل مختلف, يتعامل الأخ الأكبر مع هذه الأفكار ويفهمها بطريقة جديدة متطورة تضمن له أن يكون نظامه السياسي غير قابل للهزيمة؛ ويبدو لي أننا بقليل من التعديلات نستطيع تحويل الرواية لكتاب من نوع (الطغيان للمبتدئين).

في أوشيانيا يستبد الحزب الداخلي بقيادة الأخ الأكبر استبداداً مذهلاً وجباراً على باقي الطبقات؛ فهو يزرع شاشات الرصد في كل مكان؛ وهذه الشاشات مهمتها مراقبة الشعب ونشر الأخبار الملفقة وإصدار الأوامر للأفراد, ويزرع الحزب الميكروفونات في كل مكان لرصد كل همسة من الشعب, بل ويتجاوز الحزب ذلك ويعمد لتحطيم العلاقات الأسرية لإفناء كل ولاء ليس موجه له, ويعمد أيضا لإذلال العملية الجنسية بجعلها مجرد وسيلة لخدمته وبتجريدها من أي رغبة أو وله أو عاطفة كؤاد لأي احتمال لنشوء ولاء لغير الأخ الأكبر. ثم يتفوق الحزب في استبداده على نفسه ليصل لمرحلة الاستبداد العقلي فيسيطر على اللغة, ويدمر, ويعيد تركيب كلماتها, بل ويصنع لغة جديدة, ويمنع الاتصال بالحضارات الأخرى, ويحرّف التاريخ, ويلفّق الماضي, ويقلب الحقائق, حتى تتوه العقول فلا تجد إلا الحزب كحقيقة ثابتة تستطيع أن تؤمن بها.

في المشهد الافتتاحي للرواية نرى المواطن “ونستون سميث”, والذي يعمل في وزارة الحقيقة (وزارة الإعلام) والتي, بشكل ساخر, مناطه بتزييف الحقائق, نرى هذا المواطن وهو يدخل غرفته وقد أصابه الإحباط من دكتاتورية الحزب, ومن أسلوب الحياة الذي يفرضه. يفتح حينها دفتر كان قد اشتراه بشكل غير شرعي ليبدأ في تدوين أفكاره؛ وهو مدرك أنه ابتداء من هذه اللحظة قد صار في عداد الموتى, فمجرد عملية التفكير يعتبرها الحزب جريمة تستحق الموت ويسميها “جريمة الفكر”, يكتب ونستون في دفتره أنه يكره الأخ الأكبر, ثم يبدأ التفكير بـ “أوبراين”, وهو أحد أعضاء الحزب الداخلي الذي شعر ونستون أن ولاءه للحزب ليس تاماً, فقد شك ونستون أن أوبراين ينتمي لأخوية شديدة السرية والغموض تعمل ضد الحزب, ثم يفكر بعد ذلك في “غولدشتاين” عدو الحزب الأول, والذي كان أحد أهم أعضائة ولكنه تأمر عليه وحكم عليه بالموت ولكنه استطاع الهرب وأصبح يشكل قلقاً كبيراً للحزب.

انتهى ونستون؛ هذه الأفكار المجردة تعني مؤت زؤام مؤكد, لذا لم يعد لديه شيء يخسره, فالمرء في كل الحالات لن يُقتل إلا مرة واحدة ..

ومن هنا تبدأ الرواية؛ ويبدأ استعراض القمع والتسلط والطغيان والدكتاتورية والاستبداد, ويبدأ استعراض الريبة والقلق والاضطراب والجزع, الحزب في كل مكان, الحزب في كل فرد, أو كما يقول ونستون: لم يعد هناك مكان آمن سوى سنتيمترات معدودة في الجمجمة.

رواية “1984″ كان لها تأثير كبير على روايات عديدة؛ فقد أثرت في رواية “فهرنهايت 451″ لـ “راي برادبوري”, و”الرجل الراكض” لـ “ستيفن كنج”, و “البرتقالة الميكانيكية” لـ “أرثر بيرجس”, ومن جهة أخرى كان لرواية “نحن” للأديب الروسي” يفنجي زامياتين” ورواية “عالم جديد شجاع” لـ “ألدوس هكسلي” تأثيراً كبيراً على جورج أورويل أثناء كتابته لهذه الرواية.

أيضاً كان لهذه الرواية تأثير كبير على اللغة الإنجليزية؛ فقد شاع استخدام العديد من المفردات التي ابتكرت في هذه الرواية مثل: (الأخ الأكبر – Big Brother), (الغرفة 101 – Room 101), (شرطة الفكر – Thought police), ( التفكير المزدوج- Doublethink), ( اللغة الجديدة – Newspeak), بل لقد درج استخدم مصطلح (أورويلي – Orwellian) كطريقة لوصف الحالات, أو المشاهد, أو الأفكار, أو طرق التحدث التي تشبه ما جاء في أعمال أورويل عموماً وهذه الرواية خصوصاً.

العنوان الأصلي لهذه الرواية كان “أخر رجل في أوروبا” ولكن الناشر اقترح على أورويل تغييره, وبالرغم من المحاولات العديدة لتفسير سبب اختيار أورويل لعام “1984″ بالضبط كي يكون عنواناً للرواية, إلا أنها كلها غير مؤكدة, والاقتناع السائد الذي يُذكر غالباً بهذا الخصوص أن عنوان الرواية هو عكس لأخر رقمين من سنة 1948, وهي السنة التي أتم فيها أورويل كتابة الرواية والتي استغرقت كتابتها ثلاث سنوات بداية من 1945, ونشرت في عام 1949.

ترجمت هذه الرواية لـ 62 لغة, وبمناسبة الحديث عن الترجمات فإني أقدم جزيل الشكر للأستاذ “أنور الشامي” لترجمته الرائعة لهذه الرواية.

جدير بالذكر أن مجلة “التايم” اختارت هذه الرواية كواحدة من أفضل 100 رواية كتبت بالإنجليزية من عام 1923 وحتى عام 2005, هذا بالرغم من أنها منعت في الكثير من الدول والكثير من المكتبات حين صدورها باعتبارها رواية خطره سياسياً.

مما لاشك فيه أن جورج أورويل استوحى الكثير من سمات “الأخ الأكبر” من القائد الثاني للاتحاد السوفيتي “جوزيف ستالين”, واستوحي الكثير من سمات مجتمع “أوشيانيا” من مجتمع “الاتحاد السوفيتي” حينذاك, حتى شخصية المنشق “إيمانويل غولدشتاين” مستوحاة من المثقف الثوري الماركسي “ليون تروتسكي” الذي طرد من الحزب الشيوعي وأبعد عن الاتحاد السوفيتي.

اسم “جورج أورويل” الحقيقي هو “أريك أرثر بلير”, ولد في عام 1903 في الهند لأن والده كان يعمل هناك, بقي أورويل هناك حتى عاد – “ذهب” إذا تحرينا الدقة – مع أمه في سن الثامنة عشرة لبريطانيا, وبالرغم من أنه أتم تعليمه العام, وكان أداءه في الامتحانات جيداً, إلا انه لم يرغب بمواصلة تعليمه الجامعي, وفضل أن يذهب للعمل في الشرطة الاستعمارية في الهند, وهو العمل الذي تركه بعد خمس سنوات وعاد لأوروبا, كان مقته للاستعمار البريطاني الذي يعمل له وعشقه للكتابة هما سببا تركه لهذا العمل, وقد قرر عندما عاد لأوروبا أن يعيش حياة الفقراء, وقضى عاماً كاملاً يعيش معهم ويراقبهم, ليكتب بعد ذلك تقريره (متشرداً في لندن وباريس), ومن هنا نفهم سبب تغييره لأسمه؛ فهو يريد التخلص من شخصية الرجل الاستعماري الذي كانه ليصبح جورج أورويل اللاطبقي (أورويل: اسم نهر في الهند قرب المنطقة التي ولد فيها), وفي عام 1936 توجه أورويل لأسبانيا التي كانت تشهد حرباً أهليه كي يعمل كمراسل صحفي فيها, لكنه التحق بالمليشيات المحاربة للفاشية وأصبح يقاتل من أجل الاشتراكية, وتعرض أثناء ذلك لجرح خطير في عنقه, وقد دون خبراته هذه في كتاب (الحنين إلى كاتالونيا), وأثناء الحرب العالمية الثانية عمل كمراسل لمحطة (بي بي سي), وأثناء الحرب أيضاً كتب روايته الرائعة الشهيرة (مزرعة الحيوانات), وفي أخر سنيه كتب روايته “1984″ وتوفي بعد نشرها بأقل من عام في 1950.

تم تحويل الرواية لفيلم سينمائي, وقد كان توقيت عرض الفيلم مثير جداً؛ فقد صدر الفيلم في عام 1984, وفي ذلك العام أيضاً أصدرت شركة “Apple” جهازها “ماكنتوش” وروّجت له بإعلان شهير جداً مستوحى من رواية 1984, تظهر فيه شركة IBM”” كأنها “الأخ الأكبر” وهو يتحدث للشعب من على إحدى الشاشات الكبيرة, وتظهر شركة “Apple” كأنها فتاة تجري حاملة مطرقة, والجنود يطاردونها, ثم تحطم الفتاة الشاشة, بعد ذلك يظهر شعار الإعلان, وقد كان: شركة أبل سوف تقدم لكم ماكنتوش وسوف تعرفون لماذا 1984 لن يشبه “1984″.

***

أعمال أخرى مترجمة للعربية لنفس الروائي:

1 – مزرعة الحيوانات

2 – متشرداً في باريس ولندن

3 – الحنين إلى كاتلونيا

رواية: صورة دوريان غراي – أوسكار وايلد

تنبيه: في مراجعة الرواية هذه لا يوجد حرق للرواية. في هذه المراجعة يتم استعراض عقدة الرواية الأساسية. كل ما كٌتب هنا بدا لي أنه سوف يجعلك تقرأ الرواية بشكل أفضل. هذه المراجعة كٌتبت خصيصاً لأولئك الذين لم يقرءوا الرواية بعد.

***

بطاقة الرواية:

عنوان الرواية: صورة دوريان غراي

عنوان الرواية الأصلي: The Picture of Dorian Gray

سنة النشر: 1890

اسم الروائي: أوسكار وايلد

دار الترجمة: دار الخيال

اسم المترجم: لويس عوض

عدد الصفحات: 278 صفحة

المكتبة التي اشتريتها منها: مكتبة الكتاب

السعر: 24 ريال سعودي

***

الغلاف:

 

***

عن الرواية:

في أحد قصور لندن الفارهة, وأثناء إحدى الحفلات الرسمية, يلتقي الرسام الطيب القلب “بازيل هولوورد” بالشاب “دوريان غراي”, فيُبهر الرسام بشخصية الشاب الساحرة الطاهرة الودودة, وبجماله الطاغي الفاتن الأخاذ.

بحسب رأي “بازيل”: في تاريخ العالم عصران مهمان, عصر ظهور أداة جديدة للتعبير الفني, وعصر ظهور شخصية جديدة تصبح موضوعاً للفن, فاختراع الرسم بالزيت كان له من الأهمية عند أهل البندقية ما كان لوجه أنتينوس في الفن اليوناني القديم.

تملّكت بازيل, لحظة لقاءه دوريان غراي, وثنيته الفنية, وأدرك حينها أن دوريان بروحه النقية العذبة, وبجماله السماوي الخلاب, سوف يكون موضع ومحرك وملهم ومسيّر وسيد فنه؛ فيطلب منه حينها الحضور لمنزله لرسمه, يلبي دوريان طلبه, ويأتيه بعد عدة أيام, ويبدأ بازيل برسم لوحة له, بالحجم الطبيعي, بكل ما أوتي من قدرة وموهبة.

في المشهد الافتتاحي للرواية, كان بازيل على وشك الانتهاء من لوحة دوريان غراي, وكان يجالسه حينذاك اللورد “هنري وتون” ..

لو كتب حضرة الشيطان بنفسه رواية لإغواء الناس, لما استطاع أن يجيء بما جاء به “أوسكار وايلد” على لسان اللورد” هنري وتون” ..

عندما يتحدث اللورد هنري فهناك عاصفة من الغواية والتضليل والتمرد, إعصار من الكلام الهادئ, الساحر, المرتب, المثقف, الساخر, المستهزئ, الذكي, الفتاك. فنظرة اللورد للعالم مشبّعه بالهيدونية (فلسفة اللذة) لدرجة لا يصلها “أبيقور” نفسه؛ في الواقع إن كل الضجة التي أثيرت حول لا أخلاقيات هذه الرواية كانت بسبب ما قاله هذا الرجل, وفي نفس الوقت, معظم محاولات تحليل الكوميديا والروح المرحة في حوارات هذا العمل, كانت تستند لما قاله هذا الرجل أيضاً.

أثناء جلوس اللورد والرسام, يدخل الخادم ليقول أن دوريان قد جاء, يطلب الرسام من اللورد الانصراف حتى لا يفسد الشاب بحديثه وأرائه, ولكن اللورد يرفض ويصّر أن يقابل دوريان.

بعد أن انتهى بازيل من رسم دوريان, ينشغل بوضع لمساته النهائية على العمل, يخرج حينها اللورد ودوريان للحديقة, يتبادلان أطراف الحديث, يقول اللورد لدوريان أن الجمال نوع من النبوغ, بل الجمال أعلى قدراً من النبوغ, والجمال يحكم العالم ويٌديره, ولا أحد ينازع الجمال في دولته, ثم يُخبر دوريان أن جماله سوف يذوي حين يرحل شبابه, ولسوف تولي أيام مجده يوم يرحل جماله.

يعود الشاب إلى المرسم وقلبه محطم كسير من قول اللورد, ويتمنى من أعماق قلبه الصافي أن تكبر الصورة ويخلد هو في شبابه ..

ويكون له ما أراد ..

ويكون له, فوق ذلك, صحبة الرسام واللورد؛ لتبدأ بعد ذلك كل الصراعات الممكنة, ابتداء بـ ( الصح والخطأ ) نهاية بـ ( الخير والشر ) مروراً بـ ( الجمال والقبح ) و( الروح والحواس ) و( اللذة والألم ) و( الأبدي والفاني ) و( الإثم والفضيلة ) ويتوج ذلك كله بالصراع بين ( الصورة والحقيقة ).

صدرت رواية “صورة دوريان غراي” عام 1890, وتصنف تحت الرواية القوطية, والرواية القوطية هي إحدى نتاجات الحركة الرومانسية, وتعتمد في بناءها على الرعب والخيال والغموض, جدير بالذكر أنه قد تم تصوير الرواية كفيلم سينمائي مرات عديدة.

رواية “صورة دوريان غراي” من أكثر الأعمال الأدبية التي يقتبس منها, وهذا ليس مستغرباً, فقد قيل عن أوسكار وايلد: “إن كل ما يتحدث به يبدو وكأنه بين علامتي استشهاد”, بل إن طريقة بناء الحوار في أعمال أوسكار وايلد تعتمد على جعل الشخصيات تتحدث بجمل لها القابلية بأن تكون قولاً مأثوراً: جمل قصيرة, وموجزة, ومتراصة, تعبّر بتمرد عن أعقد المواضيع والآراء, بكل سخرية واستهزاء.

بالرغم من أن رواية “صورة دوريان غراي” عمل أخلاقي في نهاية المطاف, إلا أنها كانت صدمة مجلجلة حين نشرها, مما حدا بوايلد أن يضيف لها مقدمة بعد حين, يشرح فيها وجهة نظره عن الفن والفنان, وخلاصتها أن الفنان ليس سوى صانع أشياء جميلة, وأنه لا يوجد كتب أخلاقية وغير أخلاقية إنما يوجد كتب مكتوبة بشكل جيد وكتب مكتوبة بشكل رديء, وإننا نستطيع أن نصفح عن الرجل حين يصنع أشياء نافعة دام أنه لا يعشقها, بينما العذر الوحيد لصنع أشياء لا نفع منها هو أن نعشقها بجنون, والفن لا نفع منه إطلاقاً ( يقصد نفع ولكن لا يقصد جدوى).

إن مقدمة أوسكار وايلد هذه تمثل رأي “الحركة الجمالية” التي كانت سائدة حينذاك, وكان أوسكار وايلد من أهم روادها, ومن أهم مبادئ هذه الحركة مبدأ (الفن للفن), الذي عبّر عنه وايلد في مقدمته, وكتب على أساسه روايته, وفي الشعر يسمى هذا المذهب بـ “البرناسية” نسبة لجبل برناس في الميثولوجيا الإغريقية.

من أهم تضمينات مقدمة أوسكار وايلد لروايته هو أنه لا يجب أن تربط حياته الشخصية بشخصيات روايته, فالعمل قائم بحد ذاته, هذا بالرغم من أنه قال في موضع أخر, أن اللورد “هنري” هو الشخص الذي يعتقد الناس أني هو, والرسام “بازيل” هو ما أحسب أني إياه, بينما أطمع في النهاية أن أكون “دوريان غراي”.

وهنا أجدني مدين مرتين بالشكر للأستاذ “لويس عوض” الذي نقل الرواية للعربية, المرة الأولى لترجمته الرائعة لهذه الرواية, والثانية لنقله العديد من أعمال أوسكار وايلد للعربية, ولكن الشيء المستغرب في هذه الترجمة, هو عدم نقل الأستاذ لويس لمقدمة الرواية التي تحدثنا عنها أنفا؛ على كل حال, الرواية موجودة كاملة, بمقدمتها, ولكن بالإنجليزية, على مواقع أدبية عديدة في الإنترنت.

ولد أوسكار وايلد في مدينة “دبلن” في أيرلندا عام 1854, وهو الابن الثاني لسير “ويليام وايلد”, طبيب العيون, والذي له عدة كتب حول “الآثار” و “الفلكلور”, وأم أوسكار هي ” جين إيلجي” الشاعرة الوطنية الثائرة, تخرّج وايلد من جامعة “أكسفورد” في عام 1878, وتزوج عام 1884 من امرأة ثرية اسمها “كونستانسى لويد” وأنجب منها طفلين: “سيريل” و “فيفيان”.

ثار جدل كبير حول حياة أوسكار وايلد, وما تزال الكتب, حتى لحظة كتابة هذه السطور, تؤلف حول حياته, فقد كان يرتدي ملابس غاية في الزركشة والغرابة, وكان شعره طويل, وكان يزين غرفته بريش الطاووس, والزنابق, وعباد الشمس, وبعد سنة من زواجه سقط في وحل الشذوذ الجنسي, وقُدِّم بسبب ذلك للمحاكمة سنة 1895, وقد حدثت إبان محاكمته هستيريا صحفية وإعلامية, واشتهرت تلك المحاكمة باسم (محاكمة كوينزبيري), واستخدمت رواية “صورة دوريان غراي” كدليل ضد وايلد, لكنه دافع عنها, وعن فنه.

انتهت محاكمة وايلد بالحكم بسجنه سنتين مع الأعمال الشاقة, وبعد خروجه من السجن كانت صحته قد تدهورت, ووضعه المالي صار سيئاً, انتقل بعدها لفرنسا, ليتوفى هناك بسبب (الحمى الشوكية) سنة 1900, وعمره 46 سنة فقط.

“صورة دوريان غراي” هي روايته الوحيدة, لكن له قصه اسمها ( شبح كانترفيل ), ومجموعة قصصية تحت عنوان ( الأمير السعيد وحكايات أخرى), وفي المسرح قدم ( مروحة الليدي وندرمير) و(امرأة بلا أهمية) و(الزوج المثالي) و(أهمية أن تكون جاداً) و( سالومي ) وأعمال عديدة أخرى, وقد كتب أثناء سجنه خطاباً طويلاً, يعتبر من روائع أدب السجون, اسمه ( من الأعماق ).

في النهاية, لن ينسى عشاق الأدب, أبدا, جملة أوسكار وايلد الشهيرة الرائعة: “الطبيعة تقلد الفنان”.

***

بعض أعمال أوسكار وايلد المترجمة للعربية:

1 – شبح كانترفيل

2 – الأمير السعيد وقصص أخرى

3 – مروحة السيدة ويندرمير

4 – سالومي

كتاب: خوارق اللاشعور – علي الوردي

بطاقة الكتاب:

عنوان الكتاب: خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجح

سنة النشر: 1952

اسم الكاتب: علي الوردي

دار النشر: دار الورّاق

عدد الصفحات: 239 صفحة

المكتبة التي اشتريته منها: مكتبة الكتاب

سعر الكتاب: 35 ريال سعودي

***

الغلاف:

***

عن الكتاب:

( خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة ), كتاب ظلمه عنوانه كثيراً, والعيب ليس في العنوان بحد ذاته, ولكن في بعض الكتب الأخرى التي تحمل عناوين قريبة من هذا العنوان, ولا تتجاوز الهرطقة بخصوص اللاشعور, أو العرض السطحي المكرر بخصوص وصايا النجاح, بعكس هذا الكتاب الذي يبحث, في موضوعه, على مستوى عميق جداً في نفس الإنسان, ونطاق واسع جداً على صعيد المجتمع.

يصف الوردي كتاب (خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة) بأنه بحث في غوامض العبقرية, والتفوق, والنجاح, وما يسمى عند العامة بـ (الحظ), وأثر الحوافز اللاشعورية فيها في ضوء النظريات العلمية.

الكتاب عبارة عن خمس فصول, وسوف أستعرض بسرعة أفكار كل فصل منها:

في الفصل الأول ( الإطار الفكري), يوضح الوردي طبيعة العقل وطبيعة الحقيقة, فيخلص إلى أن عقل الإنسان ليس حراً تماماً, فهو محصور بإطار فكري متغلغل في أعماق عقله الباطن, هذا الإطار مكوّن من قيود نفسيه, واجتماعيه, وحضارية, وهو موجود عند كل البشر ولكن بنسب متفاوتة, ثم يقدم الوردي وجهة نظره في ما يسمى بـ ( الحقيقة), ومفادها أن الحقيقة فيها جانب مطلق (موضوعي) وجانب نسبي (ذاتي), وسبب وجود هذا الجانب النسبي في الحقيقة هو وجود الإطار الفكري على عقول البشر, فبسبب وجوده يرى الناس نواحي مختلفة في الحقيقة الواحدة, فلو حدثت “مظاهره” فسوف يرى بعض الشباب, في هذه المظاهرة, جمال الفتيات المشاركات, والأدباء سوف يرون فيها الأخطاء النحوية في الشعارات, والنساء سوف يرون ملابس الأخريات, والصحافيين سوف يرون عدد القتلى والجرحى .. وهكذا.

في الفصل الثاني ( المنطق الأرسطوطاليسي), ينتقل الوردي لنقد طريقة التفكير القديمة, والمتمثلة بمنطق أرسطو, فطريقة التفكير القديمة لا تواكب الحقيقة؛ لأنها لا تعترف بالجزء النسبي فيها, ويؤكد الوردي أن هذه الطريقة القديمة هي سبب ازدواجية وفشل المتبع لها؛ فهو يفكر بطريقة مجردة بعيدة عن الواقع, بينما كان من المفروض أن يعمل بطريقة نسبية تتكيّف مع الحياة, هذا بالإضافة أن طريقة التفكير القديمة لا تسمح لومضات العقل الباطن بالانبثاق.

في الفصل الثالث ( الإرادة والنجاح) , يقدم الوردي قانون “الجهد المعكوس”, مفاد هذا القانون أنه إذا تغلغلت فكرة في أغوار عقل الإنسان الباطن فإن كل الجهود الواعية التي يبذلها الإنسان في مخالفة تلك الفكرة تؤدي إلى عكس النتيجة المبتغاة؛ فلو كان أحدهم يسير على حافة جدار مرتفع, وكان يخاف السقوط بشدة, لدرجة أن خوفه رسّب فكرة السقوط في عقله الباطن, فأن كل الجهود التي يبذلها كي لا يسقط سوف تؤدي لسقوطه, هذه الحالة تسمى (بتنازع الإرادة والمخيلة) أو تنازع ( الشعور واللاشعور)؛ معنى هذا الكلام أنه ليس ( كل من سار على الدرب وصل) بل معناه أن كل من سار على الدرب قد يصل للجهة المعاكسة.

في الفصل الرابع (خوارق اللاشعور), وبعد استعراض قوة اللاشعور في الفصل السابق, ينطلق الوردي لاستعراض بعض خوارق اللاشعور, في البدء كان هناك منهجان علميان لبحث هذا الموضوع, المنهج الأول هو منهج جمعية المباحث النفسية البريطانية والذي ينص على بحث كل حادثة يحدث فيها عمل خارق, والمنهج الثاني هو منهج العالم الأمريكي “جوزيف راين” J. B. Rhin) ) وهو ينص على فحص عينات كبيرة من الناس بحثاً عن قدرات خارقة عند العامة, تصل نتائج المنهجين لنتيجة واحدة مفادها أن لكل إنسان قدرة على الإحساس الخارق, بدرجات تتفاوت من شخص لأخر, وفي بعض الحالات قد يخترق هذا الإحساس حجاب الزمان والمكان, بعد ذلك يخصص الوردي جزأً كبيرا من هذا الفصل في التفسير العلمي لهذه النتيجة الغريبة.

في الفصل الخامس ( النفس والمادة), يتطرق الوردي لمعضلة ( الفكر والبدن ), فالأفكار, وبالرغم أنها من ماهية أخرى, إلا أنها تؤثر على المادة, فعندما يخجل الإنسان تحمّر وجنتاه, والمادة أيضاً تؤثر على الفكر, وهذا جلي في تأثير المشروبات الكحولية على أفكار الإنسان, من هذا المنطلق يوضح الوردي في هذا الفصل كيفية تأثير أفكار الإنسان على بدنه, بل وعلى والمادة الخارجية أيضاً, موضحاً أفكاره ببعض الطوائف الدينية التي يأتي أفرادها بالخوارق, ثم يشدد بعد هذا التوضيح أن إتيان هذه الطوائف بهذه الخوارق ليس ناجماً عن صحة اعتقادتهم بل هي نتيجة لقوة اعتقادتهم؛ فقوة الاعتقاد – بغض النظر عن صحته – سبب قوي لإجتراح بعض الخوارق, وتصبح النتيجة هنا أن الفاصل بين الوهم والحقيقة قد تلاشى .. ولو جزئياً.

إن الأفكار التي تم استعراضها حول الفصول الخمسة في هذا الكتاب لا تتجاوز كونها العمود الفقري للفصول, فكل فصل منها مشحون بأفكار وأراء وحقائق كثيرة أخرى, وما ميّز كتاب الوردي هو انه شدّد في مقدمته أنه سوف يتخذ المنهج العلمي وسيلة له في التحري والبحث, وأنه سوف يتجاوز أي أمور غيبية أو روحية, وأيضاَ شدّد الوردي في مقدمته أنه سوف ينهج أيضاً المنهج العملي التطبيقي, فكل هذه الأفكار المذكورة, وغيرها, لا يتركها الوردي إلا بمحاولة استشفاف فائدة عملية, وتطبيقية, منها.

إن ما يجعل كتاب “خوارق اللاشعور” فريداً جداً هو أن كاتبه هو الدكتور الوردي عالم الاجتماع, فهو إذا بحث نفسي يكتبه عالم اجتماع, عالم اجتماع مطلع إطلاعاً رائعاً على حقل الفيزياء؛ فنحن إذا بصدد بحث نفسي, ينتهج المنهج العلمي, ويقدم نفسية الفرد في ضوء سلوكيات الجماعية.

كتاب (خوارق اللاشعور) صدر عام 1952, وهو ثاني كتاب للدكتور الوردي, بعد كتاب (شخصية الفرد العراقي) سنة 1951, وقد بدأ الدكتور الوردي البحث في موضوع هذا الكتاب, ولمدة عامين, بعد قراءته كتاب ( The Personality of man ) للدكتور البريطاني ((G.N.M. Tyrrel؛ وهو الكتاب الذي حفزه للبحث في هذا الموضوع.

علي الوردي من مواليد 1913, وتوفي سنة 1994, وهو أستاذ ومؤرخ وعالم اجتماع عراقي, حصل على الماجستير 1946, والدكتوراه 1950 من جامعة تكساس الأمريكية, وعمل أستاذاً في كلية الآداب في جامعة بغداد.

أسلوب الوردي في الكتابة سلس ومتين, تشعر أثناء القراءة له أنه يتحدث إليك أكثر من كونه يكتب لك, ففي كتابته حرارة وصدق, وهو لا يبالغ في اهتمامه بالجانب التنظيري والأكاديمي, بل يطرح أفكاره بأكبر قدر ممكن من العفوية والبساطة, وفي نفس الوقت بأكبر قدر ممكن من العمق والتأثير, ما يلاحظ على الوردي هو: التكرار, فتجده يكرر الفكرة الواحدة في مواضع كثيرة من الكتاب, ورغم ذلك, فأنه بدا لي أنه في كل مره يكرر الفكرة فهو يرسخها من جهة, ويوضحها أكثر من جهة أخرى, لأنه وإن كان يكررها, فهو يأتيها من عدة مواضع؛ مما يجعل وقعها جديداً في كل مرة على القارئ.

***

كتب أخرى لنفس المؤلف:

1 – وعاظ السلاطين

2 – مهزلة العقل البشري

3 – أسطورة الأدب الرفيع

4 – منطق أبن خلدون

5 – الأحلام بين العلم والعقيدة